كثيرًا ما يتساءل البعض لماذا تقدم اليابانيون والإسكندنافيون بدون دين؟! وكيف نالوا تلك الأخلاق والأمانة وغيرها، والجواب متعلق بشكل مباشر بقضية وجودية كبرى تدعى «التحسين والتقبيح العقلي»، أي كيف يعرف العقل بميزان ثابت الحكم على الأشياء أنها حسنة أم قبيحة، والصحيح في هذه المسألة هو قول أهل السنة والجماعة بأن العقل يعرف الحسن من القبيح إجمالا وذلك ما يمكنه من معرفة صدق الوحي بالإجمال عند بلوغه العقل، أما التفاصيل والجزئيات فترجع للوحي والشرع وإن لم يدركها العقل من كل جانب فيكون له ذلك امتحان إيمان، فالجود والأمانة والعدل كلها أخلاق تجمع على حسنها وقبح أضدادها عقول البشر من مختلف الديانات والمذاهب الفكرية المادية، وحتى مشركو الجاهلية كانوا يعرفون أخلاقًا فاضلة كالشجاعة والجود، فلم ينكرها الإسلام وإنما هذبها وأتمها فقال رسول الهدى في الحديث الصحيح «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

أما الجزئيات والتفاصيل فمردها للوحي، لأن عقول البشر مختلفة في مراتب الإدراك وهي نسبية المعرفة ولا بد للنسبي من مرجع ثابت يرجع إليه، وفي هذه الجزئيات والتفاصيل نجد الفوضى الفكرية عند اللادينيين والملاحدة فمثلا يعتبر كثير منهم الختان عملا غير إنساني، أما الطب الحديث التجريبي فجاء مطابقًا للشرع ومخالفًا لأهواء هؤلاء حيث وجد أن منافع الختان على مستوى الفرد والدول لا تكاد تقارن بالمخاطر الضئيلة المحتملة التي ضخمها اللادينيون والملحدون، فوفقًا للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال فإن للختان فائدة وقائية من سرطان الذكر، والتهاب المسالك البولية، والأمراض المنقولة عن طريق الجنس (1) ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن هناك أدلة قاطعة على أن ختان الذكور يقلل من خطر الإصابة بالإيدز بين الرجال بستين بالمئة (2) فتبين بذلك أن ألم لحظات ودقائق معدودات عند ختان الطفل يترتب عليه فوائد مستقبلية عظيمة، ولأن الحياة دار نقص ولا كمال إلا في الآخرة كان هناك بعض المشقة لنيل تلك الفائدة.

وكذلك هناك بعض الملاحدة واللادينيين النباتيين يعتبرون أكل اللحوم جريمة ويلومون أو يبغضون آكليها، بدعوى أن ذبح الحيوانات وأكل لحمها عمل غير إنساني لأنها تحس بالألم، أما الشرع فأباح اللحم بدون إسراف، وهنا جاء العلم الحديث لينقض أهواء النباتيين في تقبيحهم أكل اللحم حيث وجد في دراسات حديثة أن النبات أيضًا يحس بالألم عند مضغه وبميزانهم العشوائي في التحسين والتقبيح وجب عليهم الموت جوعًا وعدم الأكل مطلقًا.(3)

وكذلك أصبح زواج الشواذ وعلاقاتهم تعتبر خلقًا إنسانيًّا عند غالبية الغرب سواء في أمريكا والدول الإسكندنافية واليابان وغيرها رغم أنه محرم في كل الشرائع السماوية، فتفصيل هذه الجزئية في الشرع هو أنها فاحشة عظيمة وشذوذ وانتكاس في الفطرة، لكنه عند الملاحدة واللادينيين حرية ورقي اجتماعي، حتى وصل بهم الحال إلى السماح بتبني أطفال للشواذ المتزوجين، والترويج لتغيير الجنس، رغم أن هناك مهالك طبية معلومة لهذه الأفعال الشاذة، فحسب الفدرالية الأسترالية لمنظمات الإيدز فإن الشواذ أكثر عرضة للإصابة بسرطان الشرج عشرين مرة وأنهم عرضة للإصابة بالسيدا أكثر مئة ضعف مقارنة بباقي الناس (4) كما أن نسبة 30-50% من المتحولين جنسيًّا ينتحرون (5) والفائز الأول من مسخ هؤلاء فكريًا وجسمانيًا هو اللوبيات المادية الجراحية، لأن عمليات المتحولين جد باهضة قد تصل كلفتها إلى 100 ألف دولار مع العلاج النفسي والهرموني المستمر (6) ومع ذلك ينتحر منهم ما بين الثلث إلى النصف لاضطرابهم ومخالفتهم الفطرة السوية، وما هذه إلا أمثلة قليلة عن فوضى واختلال ميزان التحسين والتقبيح في التفصيلات والجزئيات دون الدين.

ومن عدل الله أن جعل لكل مجتهد نصيبًا، لذلك لما بذل اليابانيون والإسكندنافيون جهودًا دنيوية متراكمة لم تكن وليدة يوم أو يومين، نالوا ثمرة دنيوية عليها، فحتى بعد الحرب العالمية الثانية عادت اليابان سريعًا للواجهة، والجهد والعمل الذي قاموا به سيحصل أي شعب آخر في العالم على مثله عند تماثل الظروف والعامل البشري، وحتى المسلمون مضى عليهم زمن كانوا فيه بعيدين عن الدين متفرقين ورغم ذلك كانوا رواد الحضارة المادية والعلمية فمثلا أثناء بدايات سقوط الأندلس وما كان فيه المسلمون من مجون وتفرق وضعف بقيت آثار الحضارة الإسلامية العالمية وكان لهم عز دنيوي رغم التقهقر الديني، لذلك كان الأوروبيون يتعلمون منهم.

 حتى أن بعض ملوك أوربا النصارى كان متأثرًا جدًا بحضارة المسلمين المادية كالملك روجر وحفيده فريديريك، فقد كان الملك روجر الثاني يكرم العلماء والقضاة المسلمين لأنه كان يقدر علومهم  وكان يتكلم العربية ويقرب علماء المسلمين منه خاصة الإدريسي الجغرافي الشهير، وحتى عباءة تتويجه كان مكتوبًا عليها بالخط الكوفي، وعليها التاريخ الهجري لسنة 528…(7) وصك عملة ذهبية سماها اسمًا معربًا «الطري» ونقش عليها بالعربية (8) وفي ذلك الوقت كان الأمر معكوسًا، حيث المسلمون المتحضرون يعتبرون الأوربيين همجًا كما يقول برنارد لويس (9) ورغم هذا لم يتم للمسلمين النجاح الحقيقي لأنهم ببعدهم عن دينهم وانتشار الأفكار المنحرفة والمادية الضيقة والمجون والمصالح الفردية تناحروا وتفرقوا، أما الفلاح والنجاح الحقيقي للمسلمين فهو عند اجتماع الظفر بالدنيا والآخرة كما كان في عهد عمر بن عبد العزيز حيث توفر له استقرار الدولة الإسلامية بعد جهود تراكمية بدأت من عهد الخلفاء الراشدين ودولتهم الفتية التي أقاموها على ساق العدل والإيمان رغم كل الفتن الداخلية والخارجية ثم قطف بنو أمية تلك الثمرة بأن أصبحت دولة الإسلام ذات سيادة وهيبة بعد أن كان يعدوا عليها ويجمع لحربها الأعراب والروم والفرس كل مرة، ولكن لم يحقق أحد من بني أمية ما حققه عمر بن عبد العزيز الذي جمع العدل والعمل الخالص والأمانة مع الدين والورع فانتشر الأمن والخير وكثر المال حتى لم يجدوا من يأخذ أموال الزكاة فصاروا يزوجون بها الشباب وبلغ الخير وطيب العيش حتى اليهود والنصارى الذميين وحتى الطير كان ينثر له الحب حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين.

مبلغ حسن ما يصل إليه الكافر بلا هدي الوحي فهو عدل ونجاح دنيوي نسبي معه اختلالات ومثالب دنيوية أخرى تم تبيين بعضها معها فراغ روحي وقلبي تترجمه ارتفاع نسب الانتحار في البلدان التي يقل فيها التدين وانخفاضه في أكثر البلدان تدينًا (10)  حتى في ظل وجود كل أسباب السعادة والرخاء المادي (11) لانعدام أو قلة المعاني الروحانية والايمانية في الحياة، والكافر إذا وصله الإسلام والرسالة الوحيدة القائمة على التوحيد من بين كل أديان الأرض، ولم يستجب لها خسر الحياة الآخرة الباقية، وعجل له ثواب حسناته هنا فنال جزاء دنيويًا، لذلك لا عجب أن ينال كثير من الكفار جزاءهم الدنيوي كاملًا، وأما من لم تصله رسالة الحق منهم أو وصلته مشوهة مشوبة بأخبار بغض وكذب إعلامي أو تدليس فذلك لا يحاسب حتى يبعث لهم الله يوم القيامة رسولا ويأخذ عليهم العهد والميثاق بطاعته ومن وفى بعهده وأطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، أما المسلم الحق فالفلاح بالنسبة له هو اجتماع حسنة الدنيا والآخرة ولا يكون ذلك بدون التمسك بدينه وسنة نبيه، الذين بهما عز الدنيا والآخرة.