في نهاية شهر مايو (أيار)، تداولت وسائل الإعلام الأمريكية خبر إدراج عدد من الميليشيات العراقية ضمن قوائم المنظمات المتهمة بالإرهاب من قبل الكونجرس الأمريكي في مقدمتها ميليشيا «عصائب أهل الحق، حركة النجباء، حزب الله العراقي، كتائب الإمام علي، كتائب سيد الشهداء»، وقد أحال الكونجرس مشروع القرار إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه.

كثير من المراقبين علق على هذا المتغير، بعد أن وجده خطوة مهمة لها دلالة كبيرة ستظهر نتائجها الملموسة في الأيام القريبة القادمة، ولعل الضربة العسكرية التي تلقتها هذه الميليشيات داخل الأراضي السورية نهاية الأسبوع الماضي، من شهر يونيو (حزيران) الحالي إشارة إلى ذلك.

بعد دخول الحرب في سوريا عامها السابع، يأتي هذا القرار بينما واشنطن تستعد لتنهي فصلها الأول، والذي كان قد ابتدأ بهذا المسار الدموي، بعد مضي ستة أشهر على قيام تظاهرات واحتجاجات سلمية في معظم المدن السورية منتصف شهر مارس (آذار) عام 2011.

وعلى ما يبدو اليوم، ومن خلال ما يجري من تحرك دولي بين القوى الكبرى، بدأت الترتيبات ما بين أمريكا وروسيا وإسرائيل لإنهائها، بعد أن أكلت الحرب السورية الأخضر واليابس.

في مقدمة خطوات الاتفاق، الذي يضم بلا شك تفاصيل أخرى بين هذه الأطراف الثلاثة، حفاظًا على المكاسب التي حققتها دولة إسرائيل: إلزام إيران وميليشياتها بالخروج من سوريا بعد أن انتهت مهمتها، أما عن نظام بشار فالمرجح أنه قد اُتفق على بقائه -حفاظًا على الدولة أيضًاــــ ولكن إلى إشعار آخر.

وتعليقًا على قرار الكونجرس الأمريكي وصفت حركة عصائب أهل الحق قرار إدراجها ضمن «المنظمات الإرهابية» بأنه تدخل سافر في الشأن العراقي، وطالبت وزارة الخارجية العراقية بأن «تتخذ إجراءاتها بحق السفارة الأمريكية في بغداد، بوصفها الممثل الدبلوماسي للدولة صاحبة التدخل»، كما عدت قرار الكونجرس يتماشى مع «سلسلة قرارات أخرى حمقاء اشتهرت بها حكومة ترامب». وقالت الحركة في بيان أصدرته حول هذا الموضوع، إن «قرار الكونجرس يعد تدخلًا خارجيًّا أجنبيًّا سافرًا في الشأن العراقي»، وطالبت الحكومة العراقية بأن «تسجل موقفًا واضحًا وحازمًا تجاه هذه التدخلات السافرة». وأضاف البيان أن «واشنطن ستدفع ثمن هذه السياسات المتعجرفة، وأولى نتائجها فقدان الثقة الدولية»، كما عللت الحركة في بيانها توقيت قرار الكونجرس بأنه جاء «عقب فوز 15 نائبًا تابعًا للحركة بالانتخابات النيابية».

السؤال الذي يطرح الآن: ما الذي ستقدم عليه الحكومة العراقية إزاء هذا القرار؟ هل لديها القدرة على تجاهله؟ أم أنها سترضخ له؟ مما سيضعها بالتالي في حالة مواجهة مع أذرع إيران المسلحة في العراق؟

لا شك أن بغداد قد أصبحت في وضع حرج لا تحسد عليه؛ لأنها لا تستطيع أن تكون في حالة تقاطع مع الأمريكان، وبنفس عاجزة على مواجهة ميليشيات مدعومة من إيران التي تمدها بالسلاح والمال، إضافة إلى التدريب والخبراء.

العصائب تمكنت من أن تمد نفوذها في الكثير من مؤسسات الدولة، وتؤثر على قراراتها، ولنا أن نتذكر مصير عدد من طلبة جامعة القادسية والكوت في العام الماضي 2017، عندما هتفوا بشعارات ضد تدخلات إيران في الشأن العراقي لحظة وجود زعيم الحركة «قيس الخزعلي» داخل حرم الجامعة، فما كان من «العصائب» إلّا أن تضغط على رئاسة الجامعة لتصدر قرارًا بفصل الطلبة المتورطين بالهتافات.

قبل العام 2006 لم يكن للعصائب أي وجود يذكر، إلا أن انشقاق قيس الخزعلي في ذلك العام عن ميليشيا «جيش المهدي» التي يرأسها مقتدى الصدر نتيجة اتفاق الأخير مع الحكومة العراقية بوقف العمليات المسلحة ضد القوات العراقية والأمريكية دفعه إلى أن يتخذ قرارًا بتأسيس ميليشيا خاصة به، وقد لعبت الحرب السورية دورًا كبيرًا في تصاعد وتنامي دورها وهيمنتها بعد أن قاتل عناصرها قتالًا فاعلًا إلى جانب نظام بشار الأسد منذ أن تدهورت الأوضاع واندلعت الحرب في سوريا، وسبق هذه المشاركة أن سجلت العصائب في تاريخها أكثر من 6 آلاف عملية مسلحة داخل العراق، حسب ما جاء في بيانات أصدرتها، لعل أبرزها اغتيال قائد عسكري أمريكي في النجف، وإسقاط مروحية بريطانية عام 2006، والهجوم على السفير البولندي في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2007، والهجوم على مبنى مجلس محافظة كربلاء في 20 يناير (كانون الثاني) 2007، أثناء وجود وحدة أمنية أمريكية داخله، فقتلوا جنديًّا أمريكيًّا واختطفوا أربعة آخرين، قتلوا في وقت لاحق، وفي عام 2014 دخلت «العصائب» الانتخابات البرلمانية تحت اسم كتلة «الصادقون» وفازت بمقعد واحد فقط من أصل 328 مقعدًا في البرلمان العراقي. أما في انتخابات مايو (أيار) 2018 فقد حصلت على 15 مقعدًا، وهذا ما سيمنحها زخمًا كبيرًا على المستوى التشريعي، بالتالي التأثير على طبيعة القرارات التي سوف يتخذها البرلمان العراقي.

واضح أن الأيام القادمة ستشهد اللعبة السياسية في العراق منعطفات كبيرة، وستتمخض عنها كثير من المتغيرات، إذ سيضعف دور عدد من القوى والشخصيات كانت حاضرة طيلة الأعوام الماضية، هذا إن لم تُغيب نهائيًّا وفقًا لما تفرضه طبيعة التفاهمات والصفقات التي باتت تعقد هذه الأيام بين القوى الكبرى، خاصة روسيا وأمريكا، إضافة إلى إسرائيل استعدادًا لترتيب الأوضاع في المنطقة.