منذ 50 سنة إلا 10 أعوام، وأنا أنتظر البكاء من الفرحة، تصوروا أن يعيش أحدهم كل هذا العمر على أمل كهذا، أن يبكي؟ نعم، وإني لأنتظر تصريحًا قدريًّا للبكاء صراحة وعلانية، بل سأنتحب مثل طفل فقد لعبته، عند انتصار الحرية للإنسان فينا. منذ اللطمة التي نزلت على وجهي، أنا الفتى ابن الأعوام العشرة، لا لذنب اقترفته، إلا لأنني مررت من شارع بيتي مرتين لاهيًا على دراجتي، فأثرت شكوك حارس أحمق، وأنا أريد لدموع القهر المنحبسة داخلي من حينها أن تتفجر وتغرق وجنتيّ والدنيا، كي لا تبقي على أرض الوطن من الظالمين ديارًا، وتطفئ غيظ قلبي، وما زلت أنتظر.

ومنذ 34 سنة، وأنا أترقب البكاء تطهرًا من تلكم القرادات التي انتشرت في جسد الوطن وامتصت كل نسغه فشوهته، مع ضمائر الكثير من أبنائه. نعم، أنتظر إخراج تلك الغصة التي سدت مجاري التنفس عندي بعد لملمتنا، أنا وزملائي، من قبل كائنات مشوهة من الداخل والخارج، عرفنا في ما بعد أنهم موظفون بمرتبة مخبرين، لا لذنب إلا لأننا كنا نمارس حقنا المشروع في لعب كرة القدم في ساحة مدرستنا بعد الدوام دون ترخيص! من حينها والدموع تنتظر، وتتجمع في المآقي كلما ضحك علينا الزمان بشائعة الاقتراب من الخلاص، والتطهر من رجس الكبت، كي تنسال وتغسل بشاعة كل هذه السنين. وما زال الترقب مستمرًا.

ومنذ 32 سنة، وأنا ألاحق ساعة البكاء شكرًا أن انتصرت الضحكة على سُرّاقها. هي سخرية أن نحال إلى التحقيق لأننا ضحكنا في الجامعة، أليس كذلك؟ لكنها حدثت. نعم يا سادتي، في بلد سرق فيه كل شيء، يغدو إشهار الفرحة، أو إظهار أي من دلالاتها، تهمة قد ترقى إلى رتبة التمرد أو أكثر، بحسب ارتفاع مؤشر الشدة، وتحيل مرتكبها إلى التحقيق. وربما لا يتوقف الأمر عند التقريع وحسب، فالأمر متعلق، أولًا وأخيرًا، بمزاجية «الزميل» الذي يحقق معك لا أكثر. من ساعة الخروج من غرفة التحقيق تلك، والدموع تتجمع في داخلي وأنا أقمع هطولها كي لا ينتصر علي ذلك المحقق المشوه مرتين، مرة بجرجرته لنا بسبب مرجعيته فوق الوطنية، وأخرى بسبب عجزي البشري.

ومنذ سبع سنين وشهور ثلاث، إلا ثلاثة أيام، حسب التقويم الدرعاوي، وأنا، وكثيرون مثلي، نترقب البكاء عند انتصار العدل في وطن جبل هواؤه وماؤه بالظلم ومزج ترابه بالدماء. جمعنا كل دموع الفرح التي ابتلعتها قلوبنا المتشققة على مدى نصف قرن من المعاناة. ولغمنا كل سدود الروح التي بنيناها لنجمع خلفها عبرات الخلاص، ثم أخذنا نعد الثواني التي تفصل بيننا وبين انهمارنا بشرًا على أرض الربيع، حتى تمخر أشرعتنا طوفان التحرر من الطغيان.

كنا نخرج في المظاهرات فنشعر أن الحرية التي ننادي باسمها تنبت لنا أجنحة. لم نكن نمشي، أبدًا. مجرد الإحساس بإسقاط حواجز الخوف كان يجعلنا نحلق، حتى ولو كان الموت يتربص بنا خلف كل زاوية. كانت الهتافات تخرج من كياناتنا كلها، وليس من الحناجر. وحين نزف الشهداء، كنا نغبطهم أن عانقوا الحلم وانتقلوا معه إلى رحاب الخلود.

وعلى الرغم من كل مثقلات الحزن، وعلى الرغم من كل تباريح الأسى، وعلى الرغم من تكدس لوعات الفراق على الروح حد اختلاجها، بقينا ننتظر تلك اللحظة الفارقة، اللحظة التي ستشق عصا الطاعة على زمن الهزائم والترهيب، اللحظة التي سنبكي فيها فرحًا وشكرًا وتطهرًا أن انتصر الحق، الحق الذي كرزت به الأديان وحفظته الشرائع وقننته منظمات حقوق الإنسان، ودفعنا، ودفعت البشرية، ثمنًا باهظًا للوصول إليه: الحق في حياة حرة كريمة تحفظ لك حرية عبادتك، وكلمتك، وموقفك، وكرامتك، والدفاع عن تلكم الحرية كونك إنسانًا.

لكني لم أبك كما كنت أحلم وأتشوق، بل أتحرق شوقًا للقيام بفعل القوة ذاك! فالحق لم ينتصر كما كنا نشتهي. والزمن توقف قبل لحظة إعلان النصر بخيانة. لم نك ندري أن الحق ذاك وقف على ناس دون ناس، وأن حقوق الإنسان ملكية خاصة لطائفة دون أخرى، وكونك تنتمي إلى منطقة وجنس ودين دون آخر، فأنت تحتاج إلى شهادة حسن طأطأة من بشر لا كالبشر، كي تثبت أحقيتك في البكاء بصفتك إنسانًا !

الصدمة ابتلعت كل دموع الفرح التي جمعناها كي نطلقها في فضاءات الروح عند إعلان الانتصار. لكن، حين قدمنا أوراق حريتنا وإنسانيتنا إلى العالم فوجئنا بالرد. اعتبرونا مجرد أوراق سياسية، وبروشورات دعاية انتخابية، وسللًا غذائية، والأهم من ذلك كله شيكات دعم مالي وحسب. لكنهم أسقطونا من إحصاءاتهم التصنيفية كبشر مثلهم نستحق الحرية، ونتمتع بالمؤهلات نفسها التي يتمتعون بها، وهم الذين تظلهم منظمات وقوانين حقوق الإنسان العالمية. ليس هذا وحسب، بل نثرونا كأوراق خريف في أصقاع الدنيا لينذروا الربيع من تكرار نزوته، فجعلوا العَبرة عِبرة، والتغيير تدجينًا، والحلم شتاء طويلًا من الغربة والتهجير.

تم لهم ما أرادوا. غارت الدموع التي جهزناها للفرحة الكبرى مجددًا، بعد أن تأجل أوانها حتى مقتلة أخرى تحل بنا. وعادت دواخلنا تبكي حلمًا مضاعًا تاه في مهب الغدر. وعلى الرغم من كل هذا الخذلان، ما زال فينا من يصر على التمرد كي يري العالم المتبلد أننا ما زلنا على قيد الإنسانية، ويحق لنا أن نحلم، وأن نصرخ، وأن نبكي.