هناك الكثير من الفهم الخاطئ الذي اكتسبناه من خلال حياتنا اليومية، أو بالأحرى من خلال الصور النمطية التي كوناها حول المريض النفسي.

ففئة من الناس يعتقدون أن الطب النفسي عامة يعالج ما يسمونه بالجنون، وفئة أخرى تعتقد أن الاضطرابات النفسية تعبر بالضرورة عن وجود ضعف ما يعتري المريض، وفئة مخالفة تعتبر أن المريض النفسي هو شخص يعاني من أمراض عقلية وغيرها من الأمراض التي لا تمس بصلة ما يعانيه هذا الشخص، ووسط كل هذه التمثلات والانعكاسات التي تشبعنا بها من محيطنا كونت حمولة من الأفكار المغلوطة التي أدت بالضرورة إلى عدم محاولتنا لفهم المعاناة والصراعات التي يعيشها الشخص الحامل لاضطراب نفسي، والتي تحول بينه وبين عدم إمكانية عيشه حياة طبيعية، مستقرة وهادئة.

وبعيدًا عن كل المعتقدات الخاطئة، فإن المرض النفسي مثل غيره من الأمراض؛ خلل في وظائف الإنسان الطبيعية. فالسكري مثلًا خلل في عمل البنكرياس، والضغط خلل في عمل الشرايين، والمرض النفسي هو أيضًا خلل في وظائف النفس كالمزاج، والانفعال، والإدراك، والتفكير، والشخصية، والسلوك.

فعندما تتغير هذه الوظائف يسمى هذا التغيير مرضًا نفسيًّا كالاكتئاب اضطراب في المزاج، والوسواس اضطراب في التفكير والسلوك، والفصام اضطراب في الإدراك والتفكير، وهكذا.

وفي ما يلي سأتطرق إلى بعض الاضطرابات التي يكون الشخص عرضة للإصابة بها، والتي تكون حاجزًا يصعب التخلص منه بدون مساعدة وتوجيه:

1- اضطراب الهلع: هو اضطراب شائع، ينتشر أكثر عند المرأة، ونوبات الهلع تعتبر حالة شديدة مرعبة تستمر دقائق، ثم تختفي، وخلالها يصاب الإنسان برعب شديد وقلق حاد وانزعاج، وتأكيد تشخيص هذا الاضطراب يحتاج إلى الانتباه إلى بعض الأمراض العضوية التي يمكن أن تظهر بأعراض مشابهة لنوبات الهلع، ويتطلب ذلك خبرة وتدريبًا إضافة لبعض الفحوصات الطبية لنفيها، أو تأكيد وجودها. وأهم هذه الأمراض نقص السكر في الدم، وفرط نشاط الغدة الدرقية أو قصورها إضافة إلى فقر الدم.

2- اضطراب الثنائي القطب: هو اضطراب نفسي يتميّز بتناوب فترات من الكآبة مع فترات من الابتهاج غير الطبيعي، الأشخاص المصابون باضطراب ثنائي القطب يعانون من تقلبات مزاجية شديدة، فهم حينًا يصابون بالحزن وهبوط بالهمة والنشاط، وحينًا آخر بالسعادة والطاقة التي تفوق العادة أي شخص عرضة للإصابة باضطراب ثنائي القطب، لكن هو غالبًا ما يصيب الأشخاص في أواخر مرحلة المراهقة وبداية سن الرشد، وهو من الأمراض طويلة الأمد أي يتوجب على المريض التعايش معه طول حياته.

3- الاكتئاب: الاكتئاب ليس ضعفًا أو شيئًا يسهل التخلص منه، وهو مرض يصيب النفس والجسم. يؤثر الاكتئاب في طريقة التفكير والتصرف، ومن شأنه أن يؤدي إلى العديد من المشاكل العاطفية والجسمانية. عادة، لا يستطيع الأشخاص المصابون بمرض الاكتئاب الاستمرار بممارسة حياتهم اليومية كالمعتاد، إذ إن الاكتئاب يسبب لهم شعورًا بانعدام أية رغبة في الحياة.

4- اضطراب ما بعد الصدمة: هو اضطراب يصيب بعض الأشخاص الذين مروا بحدث، أو تجربة صادمة، أو مخيفة، أو خطيرة، ومع أن الأشخاص عادة يعانون من تفاعلات بعد تعرضهم لصدمة نفسية معينة إلا أن الأغلبية تتعافى، ولكن في حالة المصابين باضطراب ما بعد الصدمة فإن الأعراض تستمر وقد تتفاقم. وليس كل من يمر بظرف صعب أو مرعب سيعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، ولكن جميع من يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة قد مروا بظرف صعب وقاسٍ.

وهذه الاضطرابات التي ذكرت ما هي إلا نقطة صغيرة في عالم الاضطرابات التي يصاب بها الشخص، والتي تعيق كل تحركاته، والتي من الضروري علينا أن نعي مدى خطورتها، ومدى المعاناة التي تسببها للمصاب بها.