قبل البدء بمضادات الأكسدة وفوائدها لا بد أن نتكلم عن الأكسدة أو ما يسمى بالجذور الحرة Free Radicals.

ما الجذور الحرة (الأكسدة)؟

لفهم الجذور الحرة، ولماذا تسبب أضرارًا للجسم، وكيف تعمل مضادات الاكسدة عملها، لا بد لنا أن نتعرف أولًا على الخلايا والجزيئات.

تعد الخلية هي الوحدة الأساسية للكائنات الحية، إذ يتكون جسم الإنسان من عدد كبير من الخلايا المختلفة الوظائف.

تتكون الخلية من جزيئات والجزيئة الواحدة تتكون من ذرة واحدة أو أكثر، والتي ترتبط بعنصر معدني أو أكثر بواسطة أواصر كيميائية. تتكون الذرة من النواة، النيوترونات، البروتونات والإلكترونات، توجد البروتونات داخل النواة، وتحمل شحنة موجبة، وهذا يجعلها تجذب الإلكترونات ذات الشحنة السالبة، والتي تحيط بالنواة. تدخل الإلكترونات في تفاعلات كيميائية ينتج عنها أواصر تربط الذرات بعضها مع بعض مكونة الجزيئات.

تحيط الإلكترونات بالذرة وتغلفها إما بغلاف مفرد، وإما بعدد من الأغلفة، يحتاج الغلاف الأول والقريب من النواة إلى إلكترونين ليتشبع ويصل إلى حالة الاستقرار. عندما يحصل الغلاف الأول على الإلكترونين تأخذ الإلكترونات الباقية بملء الغلاف الثاني، والذي يحتاج إلى ثمانية إلكترونات ليتشبع.

يتحدد سلوك الذرة الكيميائي بعدد الإلكترونات في غلافها الخارجي؛ فالذرات ذات الغلاف الخارجي المشبع تحاول عدم الدخول أو الاشتراك في أي تفاعل كيميائي لتصل إلى حالة الاستقرار، إن لم تستقر الذرة فإنها إما تأخذ وإما تفقد إلكترونًا لتملأ أو تفرغ غلافها الخارجي؛ أي إنها تشارك إلكتروناتها بعمل أواصر تربطها بذرات أخرى لتكوين جزيئات مستقرة.

كيف تتكون الجذور الحرة؟

عادة لا تنفصل الأواصر الكيميائية لتترك الجزيئة بعدد فردي من الإلكترونات، مما يجعلها غير مستقرة، ولكن عندما تكون هذه الأواصر الكيميائية ضعيفة فإنها تنفصل مكونة جذرًا حرًّا غير مستقر، يبحث هذا الجذر الفاقد للإلكترون عن أي إلكترون ليسرقه ليصل إلى حالة من التوازن والاستقرار، ولهذا فهو يهاجم الجزيئات القريبة منه، ويأخذ أحد إلكتروناتها. عند مهاجمة الجذر الحر لهذه الجزيئة المستقرة فإنها تفقد إلكترونًا وتتحول هي الأخرى إلى جذر حر تهاجم الجزيئات القريبة منها، وهكذا تبدأ سلسلة من التفاعلات، التي تؤثر سلبًا على الخلايا الحية.

يقوم الجسم بتكوين الجذور الحرة طبيعيًّا أثناء العمليات الأيضية، فمثلًا عندما تستعمل الخلية الأوكسجين لإنتاج الطاقة فإن الجذور الحرة تتكون كناتج عرضي لهذه العملية. كذلك تنتج الجذور الحرة كناتج عرضي أثناء قيام الكبد بوظائفه الحيوية، في حين تنتج الخلايا البيضاء الجذور الحرة وترسلها لمهاجمة البكتريا والفيروسات الضارة والمسببة للأمراض.

هناك مصدر آخر للجذور الحرة، وهو العوامل الخارجية المحيطة بالإنسان، كالتلوث البيئي والإشعاع، التدخين، المبيدات الكيميائية ومثبطات النمو التي ترش بها النباتات، وكذلك تعد بعض الأدوية من المواد التي تتسبب في إنتاج الجذور الحرة.

يتسبب كل من القلق والأرق والضغوط النفسية والاكتئاب بزيادة إنتاج الجذور الحرة، وتلف الخلايا الحية.

ربما يسأل سائل: إذا كان الجسم ينتج جذورًا حرة، فكيف يتمكن من منعها من تحطيم خلاياه الحية؟ وهنا علينا أن نوضح أن جسم الإنسان لديه القدرة على إنتاج مواد مضادة للأكسدة. عندما تكون مستويات أو تركيزات الجذور الحرة قليلة أو منخفضة، فإن الجسم له القدرة على مكافحة هذه الجذور إذا ما توفرت مضادات الأكسدة. أما إذا كانت مستويات الجذور الحرة عالية جدًّا فإنها تهاجم الجزيئات الكبيرة، مثل البروتينات والأحماض الدهنية، والأحماض النووية، وتسبب أضرارًا للخلايا والأنسجة، وقد تسبب الطفرات الوراثية، وهي بذلك تسبب الإجهاد وعدم التوازن الداخلي، والذي ينتج عنه الإصابة بالعديد من الأمراض، إذ أشارت بعض الدراسات الحديثة إلى أن للجذور الحرة دورًا كبيرًا في الإصابة بالسرطانات، والروماتيزم، وداء السكر، وإصابة العيون بالماء الأبيض، وأمراض الأوعية الدموية، ومرض فقدان الذاكرة.

ذكرنا سابقًا أن الجسم ينتج موادًا مضادة للجذور الحرة، ويقلل تأثيراتها الضارة، ولكن عندما تكون تركيزات المواد المضادة للأكسدة التي صنعها الجسم منخفضة وأقل بكثير من تركيزات الجذور الحرة، فإن السموم وعوامل أخرى تتراكم في الجسم، مما ينتج عنه أضرار في الخلايا الحية، وظهور علامات الشيخوخة المبكرة، ويحدث تكسر بالأنسجة، وتنشط الجينات الضارة. من هنا كان لزامًا على الجسم أن يفتش عن مصادر خارجية تزوده بمضادات الأكسدة، وتساعده على التخلص من السموم المتراكمة فيه بفعل الجذور الحرة.

اهم المصادر الخارجية والتي تحتوي على مضادات الأكسدة وتقاوم الجذور الحرة هي الأغذية الطبيعية، وأهمها الفواكه والخضر، ويفضل أن تؤكل في مواسمها، وأن تكون طازجة، خالية من المبيدات، ومثبطات النمو، والمبيدات الحشرية، والمواد الحافظة.

مضادات الأكسدة

وهي مواد تقلل وتثبط التأثير الضار للأكسدة (الجذور الحرة)، وذلك عن طريق منح إحدى إلكتروناتها لتوقف الجذور الحرة عن سرقة الإلكترونات من الجزيئات القريبة منها. إن مضادات الأكسدة لا تتحول إلى جذور حرة عندما تمنح إلكترونها؛ لأنها مواد متوازنة ومستقرة، وبهذا فهي توقف سلسلة التفاعلات الضارة التي تكلمنا عنها سابقًا. من أهم مضادات الأكسدة فيتامين C وفيتامينE، الكاروتين، الإنثوسيانين، فيتامين Aوالإيكوبين وغيرها الكثير. هذه المواد متوفرة بكثره في الفواكه، والخضر، والأعشاب، والمكسرات، والحبوب.

أغلب الباحثين والمختصين يفضلون مضادات الأكسدة التي يحصل عليها الجسم من الغذاء، لا من المواد المكملة والمصنعة من قبل شركات معينة وتباع في الأسواق. يجب أن يتوخى الحذر من استعمال المواد البديلة أو المكملة، إذ إن زيادتها تؤدي إلى تأثيرات سلبية تفوق تأثير الجذور الحرة، وبالمقابل فإن أخذ مضادات الأكسدة من الغذاء يساعد الجسم على التخلص من السموم، ويعيد نشاطه وحيويته، وبدون تأثيرات جانبية.

تاريخ مضادات الأكسدة

لا يعرف بالضبط متى بدأ الاهتمام بمضادات الأكسدة وبفوائدها الصحية، يعتقد أن أولى الدراسات كانت في بداية القرن التاسع عشر. هنالك تاريخ محدد لاكتشاف كل مضاد الأكسدة، وقد أجرى الأطباء أولى الأبحاث على فيتامين Cوفيتامين Eفقد أجرى هنري ماتيل دراسة على الحيوانات للفترة ما بين 1920- 1950 ولاحظ أن الحيوانات التي تستهلك الأغذية الكاملة كانت تتمتع بصحة جيدة، وتأخر ظهور علامات الشيخوخة عليها.

كذلك اكتشف الباحث جو مكورد وظيفة إنزيمات مضادات الأكسدة، وأهمها إنزيم superoxide dismutase، وأوضح ان كل الكائنات الحية تحتوي على هذه المواد المهمة، والتي يقل إنتاجها بتقدم العمر.

وحدة قياس مضادات الأكسدة

توصلت بعض المؤسسات البحثية إلى وضع مقياس لقياس قدرة النبات على امتصاص الجذور الحرة، يسمىORAC، وهو مختصر لـ oxygen radical absorption capacity إذ طورت مؤسسة National institute of Aging هذا المقياس. يعتمد هذا القياس على أخذ 100 غرام من المواد المراد فحصها ومعرفة قدرتها على امتصاص الجذور الحرة، كلما كانت قراءة المقياس عالية كانت المواد محتوية على نسبة عالية من مضادات الأكسدة. تقاس قدرة النبات على امتصاص الجذور الحرة بـmol TE/100g µ.

فوائد مضادات الأكسدة

1 – تبطئ من عملية الشيخوخة وعلاماتها، والتي يمكن مشاهدتها على الجلد والعيون، الأنسجة، المفاصل، القلب والدماغ.

2 – تحافظ على صحة الجلد.

3 – تقلل من خطر الإصابة بالسرطان.

4 – تخلص الجسم من السموم.

5 – تحمي من أمراض القلب ومن الإصابة بالشلل.

6 – تقلل خطر الإصابة بفقدان الذاكرة.

7- تحافظ على صحة العين، وتقلل من احتمال فقدان البصر، وإصابة العين بالماء الأبيض.

هذه الفوائد وغيرها الكثير يحصل عليها من تناول الأغذية الطازجة، وليس من المواد البديلة، والتي يجب أخذ الحيطة والحذر من استعمالها لفترات طويلة. وجد بعض الباحثين أن استعمال المدخنين والاشخاص الذين يعملون بالإسبستوس للمواد البديلة «مثل الفيتامينات وغيرها من مضادات الأكسدة المصنعة» يجعلهم عرضة للإصابة بالسرطان، وخاصة سرطان الرئة، لهذا ينصح هؤلاء الأشخاص بأخذ مضادات الأكسدة من مصادرها الطبيعية وبكميات معتدلة.

الباحث ديفيد جيمس الرئيس المساعد في جامعة University College London كان يجري أبحاثه على الديدان الحلقية لمعرفة تأثير مضادات الأكسدة على الشيخوخة في هذه الديدان، وجد أن حقن الديدان بمضادات مصنعة لم يؤد إلى تأخر ظهور علامات الشيخوخة لديها، وماتت بالعمر نفسه التي ماتت فيه الديدان التي لم تحقن بمضادات أكسدة بديلة.

المكونات العضوية الحيوية

تحتوي الفواكه والخضر والحبوب الكاملة على العديد من المركبات العضوية الفعالة، مثل الفيتامينات والمعادن والألياف، التي تلعب دورًا مهمًّا في منع حدوث الأمراض الخطرة. تحتوي الفواكه والخضر وجميع الأغذية النباتية على مركبات كيميائية حيوية فعالة تسمى phytochemicals وقد وجد حديثًا أن هذه المواد، والتي تحمي وتحافظ على النباتات، لها فوائد كبيرة ومتنوعة للجسم البشري منها:

1- تعمل كمواد مضادة للأكسدة؛ إذ تقاوم تأثير الجذور الحرة، وتمنع الإصابة بمرض السرطان، مثل مادة الـallyl sulfides الموجودة في البصل، والكراث، والثوم، ومادة carotenoids الموجودة في الفواكه والجزر، وكذلك مادة polyphenols الموجودة في الشاي والأعناب.

2- تعمل كهرمونات مثل مادة isoflavones الموجودة في الصويا، والتي تحافظ على مستوى الإستروجين estrogen وتقلل من أعراض سن اليأس .menopause

3- تحفز الإنزيمات، مثل مادة indoles الموجودة في اللهانة (الملفوف)، والتي تحفز الإنزيمات التي تقلل من فعالية الإستروجين، وهذا ربما يقلل نسبة الإصابة بسرطان الثدي.

4- تمنع عملية مضاعفة الـDNA إذ وجد أن مادة الـ saponin تمنع مضاعفة الـ DNA وبهذا تمنع نمو الخلايا السرطانية.

5- تعمل كمضادات للبكتريا مثل مادة الـ allicin الموجودة بالثوم.

أتمنى من القراء الكرام أخذ مضادات الأكسدة من مصادرها الطبيعية مثل الفواكه والخضر والحبوب الكاملة، والابتعاد قدر الإمكان عن مضادات الأكسدة المصنعة أو التكميلية، إذ إن الإفراط في استعمالها يؤثر سلبًا في الصحة.