مدينة الموصل هي مركز محافظة نينوى، تقع شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، وهي ثاني مدينة في البلاد من حيث السكان بعد بغداد، إذ يبلغ عدد سكانها 3 ملايين و300 ألف نسمة، وهذا قبل سيطرة المتشددين عليها، تشتهر بالتجارة مع الدول القريبة مثل سوريا وتركيا. وسكان الموصل العرب يتحدثون باللهجة الموصلية (أو المصلاوية) العربية التي تحمل في طياتها وتعابيرها ملامح خاصة، ولهذه اللهجة الموصلية الدور الأكبر في الحفاظ على هوية المدينة، وسكان الموصل من المسلمين، ويوجد أيضًا المسيحون الذين ينحدرون من شعبيهما الآشوري والكلداني، ويتواجد أيضًا في المدينة الأكراد، كما تحوي مدينة الموصل في طياتها مزيجًا من الطوائف والديانات التي بقت متماسكة إلى لحظة وصول المتشددين إليها.

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الرابعة لسيطرة العناصر المسلحة من المتشددين الإسلاميين على المدينة، بعد مواجهات عنيفة بدأت بمعركة بين قوات الجيش العراقي من جهة، والمسلحين أو ما يسميه البعض بثوار العشائر وجيش رجال الطريقة النقشبندية؛ إذ فرضوا سيطرتهم على الجانب الأيمن من مدينة الموصل بتاريخ 9 يونيو (حزيران) 2014، ليلحق به الجانب الأيسر من المدينة في اليوم الثاني بعد انسحاب القطعات المسلحة، وجاء هذا تكريسًا للمساعي لاستعادة ما يسمى بــ«الخلافة الإسلامية» مما أدى لاضطهاد (ويتضمن ذلك قتلًا وتهجيرًا ومصادرة ممتلكات واستعباد النساء واستباحتهن) الأقليات في تلك المحافظات من تركمان شيعة، والشبك الشيعة، وشيعة عرب، والأيزيديين، والمسيحيين، وكذلك الجنود الأكراد، والبيشمركة الكردية في بعض المناطق المتاخمة لوجود الأكراد العراقيين. وتدمير ممتلكات وجوامع وحسينيات ومراقد للأنبياء والأولياء في تلك المناطق، وكذلك قتل المعارضين لنهج التنظيم من السكان المحليين، واقتياد وقتل طلاب من القوة الجوية العراقية في قاعدة سبايكر في صلاح الدين.

في السادس عشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بدء العملية العسكرية لاستعادة السيطرة على مدينة الموصل من مسلحي ما يعرف بتنظيم داعش، والتي استمرت مدة 9 أشهر وتزيد بضعة أيام، قدمت فيها كافة التشكيلات المشاركة بعمليات التحرير دروسًا في الفداء والاستبسال، مدعومة بطيران التحالف الجوي، وطيران القوة الجوية العراقية وطيران الجيش.

دفع سكان الموصل ثمن تحرير مدينتهم من قبضة تنظيم داعش بالدم، إذ لقي ما بين 9 آلاف و11 ألفًا مصرعهم خلال تسعة أشهر من المعارك، وهي نسبة تزيد 10 مرات على ما أعلن سابقًا مع العرض أن عدد قتلى المعركة لم يؤكده التحالف الدولي ضد داعش الذي تقوده الولايات المتحدة، ولا الحكومة العراقية، ولا «خلافة داعش» المزعومة، ناهيك عن الآلاف الذين ما زالوا مفقودين إلى الآن ومصيرهم مجهول بعدما اعتقلتهم عصابات التنظيم على مدى سنوات حكمها داخل المدينة.

كل هذه التضحيات التي شاهدناها ونقرأ عنها داخل الكتب والتصريحات، ونشاهد نتائجها داخل المقابر وتحت أنقاض الموصل القديمة التي تم سحقها، وما زلنا نسمع من بعيد اتهامات وشتائم تطال أهالي هذه المدينة مع اتهامات تمس الشرف لنسائها اللاتي ذقن أنواع العذاب والذل والهوان أثناء حكم التنظيم للمدينة وعمليات التحرير، وما زاد الطين ابتلالًا أن مثل هكذا اتهامات خطيرة دائمًا تكون من قبل البعض ممن شاركوا بعمليات التحرير الأخيرة ليدحضوا بذلك جهود الآلاف من الأبطال الذي قاتلوا وقُتلوا في سبيل تحرير الأرض التي هي بمثابة عرض لهم، وهذا هو المتعارف عليه عندنا نحن العراقيين.

ما ذنب من ينام ليله ليستيقظ صباحًا وهو في أحضان عصابات منظمة بطريقة فذة بسبب خيانة البعض، وتسليم المدينة من قبل قادة عسكريين أداروا ظهورهم للمدنيين؟ هل كان الذنب على المواطن المدني الذي لم ولن يجيد حمل واستخدام السلاح بعدما تم انتزاعه منه منذ عام 2003، كونه يعتبر جريمة يقبع الحائز له داخل السجون إلى ما لا نهاية؟!

الخاتمة

في نهاية المقال أحب أن أُذكر البعض من أهلنا من عشائر الوسط والجنوب الذين شاركوا بمعارك تحرير الموصل أن المدينة تعتبر ضمن خارطة العراق السيادية، ويحمل أبناؤها ونساؤها الهوية والجنسية العراقية، ونحن نحفظ لهم جميلهم للأجيال القادمة، وستظل بطولاتهم قصصًا تتناقلها الأجيال.