يعتقد الجميع أن هناك أنواعًا كثيرة من السجائر، وكل شخص يدخن ما يحب، لكن في حقيقة الأمر هناك نوعان فقط من السجائر منذ اختراعها: الكنت، والبلمونت، سجائر الكنت كانت من نصيب طبقة معينة من الأفراد، يحتلون مناصب معينة، وشكلًا اجتماعيًا واضحًا، وهي سجائر ذات مذاق لطيف، وتدخينها سهل، ولا تشعر بتعب كبير بعد تدخينها، وعلى الجانب الآخر سجائر البلمونت، وهي من نصيب من قدر عليه رزقه، ومن الواضح أن معظم الشعب المصري الحبيب كان من نصيبه البلمونت.

لكن ماذا نستحق؟ هل نستحق البلمونت أم الكنت؟ وما العوامل التي تؤهلك لتصبح مواطنًا يدخن سجائر الكنت؟ هنا يأتي موقف للشاعر نجيب سرور، كان ذاهبًا لتأدية دور في تمثيلية إذاعية تافهة على المقاس في الإذاعة المصرية، والعهدة على الراوي، صعد إلى الاستوديو، يقابله مشرف الإنتاج، يحييه سرور ويقول له: «أهلا مستر ذو القرنين، اه يا بلد انما الاخراج بالنية»، يبتسم الثاني ابتسامة صفراء ولا يرد، يأخذ سيجارة من عامل البوفيه، يفتح الرجل النقي علبة البلمونت، وينفح سرور بسيجارة، فيقول له مازحًا: «بلمونت؟ احنا ناقصين نفسنا ينقطع يا فقري، يعني لو كان ربنا خلقك مرة مش كان زمانك تعزم عليا بلاكي استرايك أو كنت دلوقتي؟!».

مشرف الإنتاج كان معينًا تعيينًا ثابتًا بمرتب شهري وبدلات، بالإضافة إلى مكافآت أخرى، والذي تنحصر كل كفاءته أن زوجته (وراكها) مستديرة! هذا طبقًا لسرور بالطبع.

مشرف الإنتاج (ذو القرنين) وزوجته ومجموعة الفنانيين من أنصاف المواهب، والفنانات أصحاب التنورات القصيرة في الستينات والسبعينات كانوا أصحاب الكنت، بينما يقف سرور صاحب الموهبة الحقيقية مع عامل البوفيه لتدخين البلمونت!

يمكننا اختزال حياة سرور في هذا الموقف، صاحب موهبة حقيقية لا يخشى من الناس أحد، دائم التصادم والشجار، لكنه كان رجلًا في وقت ووسط كثر فيه أنصاف الرجال وأشباه الرجال ورجال في البطاقة فقط إن كنت تفهم ما أعني!

لكن ما الذي كون نفسية سرور الثائرة دائمًا المطالبة بالخير والعدل؟! نجيب سرور ولد 1932 في قرية، تأكل ما تزرع، يربون الدواجن والماشية المثال التقليدي لأي قرية ريفية، أبوه الأستاذ محمد سرور، ومحمد سرور له دور كبير في تنمية نجيب أدبيًا!

محمد سرور كان كاتب قصة قصيرة ومسرحية يمتلك من الطموح الكثير لدرجة استحقاقه لقب: (أبو التفانين حدوتة) الذي أطلقوه عليه أهل القرية، كتب مسرحية شعرية، وكان هذا في وقت يكتب فيه أحمد شوقي بك وعزيز أباظة، قابل محمد سرور – بعد إلحاح – مخرج مسرحي كبير في وقتها يدعى سليمان نجيب، والأستاذ سليمان لن يخاطر باسمه بالعمل مع مبتدئ، لذلك رفض المسرحية دون قراءتها، فما كان منه إلا تقطيع المسرحية أمامه وإلقائها في القمامة والعودة إلى بلدهم!

قرر محمد أن ابنه نجيب سيكمل مشوار حياته، وأنه هو من سيحقق طموحه، لذلك تفرغ له ولتعليمه الأدب والشعر والمسرح، فكان يفرض عليه يوميًا بعض النصوص أو الأشعار ليحفظها، ثم يجلس معه ليشرح له بعض النصوص أو الكتب، لكن لم يخل من الخشونة والقسوة معه طبعًا!

في يوم ذهب والده إلى عمدة قريتهم، فضرب العمدة أباه بالحذاء أمامه، وكانت تلك الحادثة من أهم ما شكل شخصية نجيب!

ويمكننا فهم أثر هذه الواقعة عليه من خلال قصيدته الحذاء، التي يحكي فيها ما حدث من وجهة نظره:

أنـا ابن الشـــقاء

ربيب (الزريبــة والمصطبــة)

وفي قـريتى كلهم أشـــقياء

وفي قـريتى (عمدة) كالإله

يحيط بأعناقنــا كالقــدر

بأرزاقنـــا

بما تحتنــا من حقول حبــالي

يـلدن الحيــاة

وذاك المســاء

أتانـا الخفيـر ونـادى أبي

بأمر الإلـه! .. ولبى أبي

وأبهجنى أن يقــال الإلـه

تنـازل حتى ليدعـو أبي!

تبعت خطــاه بخطو الأوز

فخورًا أتيــه من الكبريــاء

أليس كليم الإلــه أبي

كموسى.. وإن لم يجئـه الخفــير

وإن لم يكن مثــله بالنبي

وما الفرق؟.. لا فرق عند الصبي!

وبينــا أسير وألقى الصغار أقول: اسمعوا.

أبي يا عيــال دعــاه الإلــه!

وتنطـق أعينهم بالحســد

وقصر هنــالك فوق العيون ذهبنـا إليه

يقولون.. في مأتم شــيدوه

ومن دم آبائنا والجدود وأشــلائهم

فموت يطــوف بـكل الرءوس

وذعر يخيم فــوق المقــل

وخيــل تدوس على الزاحفــين

وتزرع أرجلهــا في الجثت

وجداتنــا في ليـالي الشــتاء

تحدثننا عن ســنين عجــاف

عن الآكلين لحـوم الكلاب

ولحم الحمير.. ولحم القطط

عن الوائـــدين هناك العيــال

من اليــأس.. والكفر والمســغبة

ويوسف أين؟.. ومات الرجاء

وضــل الدعــاء طريق الســماء

وقــام هنــالك قصر الإلــه

يــكاد ينــام على قـريتي

ويــكتم كالطود أنفاســها

ذهبنــا إليــه

فلما وصــلنا.. أردت الدخول

فمد الخفــير يدًا من حـديد

وألصقني عند باب الرواق

وقفت أزف أبي بالنظــر

فألقـى الســـلام

ولم يأخذ الجالسـون الســلام!

رأيت.. أأنسى؟

رأيت الإله يقوم فيخلع ذاك الحـذاء

وينهــال كالســيل فوق أبي!

أهـــذا.. أبي؟

وكم كنت أختــال بين الصغــار

بأن أبي فــارع كالملك!

أيغدو ليعنى بهــذا القصر؟!

وكم كنت أخشــاه في حبوه

وأخشى إذا قـام أن أقعـدا

وأخشى إذا نـام أن أهمســا

وأمي تصب على قدميــه بإبريقهــا

وتمســح رجليــه عند المســاء

وتلثم كفيــه من حبهــا

وتنفض نعليــه فى صمتهــا

وتخشى علــيه نســيم الربيــع!

أهـــذا.. أبي؟

ونحن العيــال.. لنا عــادة..

نقول إذا أعجزتنا الأمور: أبي يستطيع!

فيصعد للنخـلة العـاليـة

ويخـدش بالظفر وجــه السـما

ويغلب بالكف عزم الأســد

ويصنع ما شــاء من معجزات!

أهـــذا.. أبي

يســام كأن لم يكن بالرجــل

وعـدت أســير على أضــلعي

على أدمعى.. وأبث الجــدر

لمـاذا.. لمـاذا؟

أهلت الســؤال على أميــه

وأمطرت في حجرهــا دمعيــه

ولكنهــا أجهشــت باكـيه

لمـاذا أبي؟

وكان أبي صــامتًا في ذهول

يعــلق عينيــه بالزاويـة

وجـدي الضــرير

قعيـد الحصــير

تحسسني وتولى الجـواب:

بني.. كذا يفعل الأغنيــاء بكل القرى!

كــرهت الإلــه..

وأصبح كل إله لدى بغيض الصعر

تعلمت من يومهــا ثــورتي

ورحت أســير مع القـافلة

على دربهــا المدلهم الطــويل

لنلقـى الصــباح

لنلقـى الصــباح!

من هذه الواقعة يمكننا تفسير نفسية سرور الثورية، فهو رافض للظلم في ذاته، ليس لأنه واقع عليه، كما أنه رفض للحاكم الطاغي في ذاته، ليس لأنه لا يكسب من ورائه، وهو حامل ثورة لهدف يراه، ليست ثورة للثورة كما يدعي الكثير من أفراد الوسط الفني!

التحق سرور بكلية الحقوق، ثم تركها لأنها لم تشبعه نفسيًا، والتحق بمعهد السينما، لكنه لم يجد النجاح الذي توقعه، لكنه نجح في الحصول على بعثة للدراسة في روسيا.

وفي روسيا تزوج ساشا، الإنسان الوحيد الذي كان يفهمه، وبالطبع كعادة نجيب الصدامية، حدثت الكثير من المشاكل بينه وبين زملائه، ثم ضرب ضابط في موسكو وقضى ليلتها في الحجز، ثم صعد إلى المنبر في أحد المؤتمرات وألقى بيانًا ناريًا، يندد بالنظام القمعي في مصر والأردن، وكان في ذلك الوقت المفدى الرئيس الأب الراحل جمال عبد الناصر، لك أن تتخيل ما تعرض له رجل أحمر (شيوعي) من مضايقات ومشاكل على أثر هذا البيان، لدرجة سحب الجنسية المصرية منه!

ترك التعليم في روسيا لأنه لم يعد يستفيد شيئًا من أساتذته حيث تفوق عليهم، وذهب للعمل في الإذاعة بالمجر، وسرعان ما تم ترحيلهم نتيجة وقائع من زملائه الحاقدين على تطويره وإتقانه لعمله، حيث طور من الإذاعة العربية هناك تطويرًا كبيرًا وملحوظًا.

عاد لمصر وأنتج الكثير من الأعمال العظيمة، منها أعمال مسرحية مثل (ياسين وبهية – يا بهية وخبريني – ألو يا مصر – الكلمات المتقاطعة – الحكم قبل المداولة – البيرق الأبيض – ملك الشحاتين – الذباب الأزرق – منين أجيب ناس – النجمة أم ديل – أفكار جنونية في دفتر هاملت – كما عالج رواية نجيب محفوظ ميرامار لتصبح مسرحية).

ودواوين شعرية ( لزوم ما يلزم – التراجيديا الإنسانية – عن الوطن والمنفى – أميات – بروتوكولات حكماء ريش – ورباعيات نجيب سرور – الطوفان الكبير – فارس آخر زمان).

أعماله النقدية (رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ – مقالات نقدية تحت عباءة أبي العلاء – هكذا قال جحا – حوار في المسرح – هموم في الأدب والفن).

لكل عمل من هؤلاء تاريخ خاص به، ولم أضعها صفًا هكذا إلا لقول إن من الظالم والمجحف اختزال كاتب كبير مثل سرور في ديوان واحد له، هذا كل ما يعرف عنه! ولا أقول إنه سيئ، بل هو مزج بين العامية والفصحى وشعر الصدمة عبقري للغاية، كما أنه وصف دقيق وصادق لهذه الفترة في تاريخ مصر، فترة حكم السادات، لا أعلم حقًا لماذا يصيب جهاز من أهم أجهزة الدولة الذعر من أجل شاعر، هل دولتنا مخلخلة منذ قديم الأزل؟! أم أن الله كتب علينا أن نعيش تحت أنظمة بوليسية أبوية ملوخية، كل همها إغراق شعبها في الجنس والمخدرات والمغيبات والمكيفات، وأفلام البورنو وأي شيء يمرر اليوم؛ فتصبح أيامنا كلها وقتًا مقتولًا ومللًا حتى نستلقي على ظهورنا مثل البعير!

أنظمة تتفنن في كل أشكال إغراق شعوبها في اللاشيء، من المؤكد أنك تعرف مشهد استخراج أي ورقة حكومية، يمكنك أن ترى مشهد الحشر مباشرة أمامك الآن، حتى ترجع إلى رشدك، حكومتك تحبك فهي تريدك أن تتوب وتعود إلى الله، لذلك عينوا زبانية في كل قسم شرطة، من أفضل من شرطي مصري يمكنه أن يريك عذاب الآخرة؟! أين ستجد خدمة توصيل العذاب حتى باب البيت سوى في معتقلات أمن الدولة؟!

إنها مصر يا عزيزي، كيف تتوقع أن تقبل شاعرًا مثل نجيب محمد نجيب هجرس، وفي قول آخر نجيب سرور!

دولتنا العزيزة لا تخشى كيانًا إمبرياليًا استعماريًا توسعيًا يوجد على حدود دولتنا، لكنها بالطبع تخشى رجلًا مثل نجيب سرور، وكونه رجلًا حقيقيًا يكفي أن يصاب هؤلاء بالأرق بغض النظر عن كونه شاعرًا يملك من الكلام والفكر ما يؤهله لبناء فن له أبعاده ويناقش الإنسان.

بدأت رحلة العذاب النفسي مع سرور حين تزوج الممثلة سميرة محسن، وكانت حينها ممثلة صاعدة، وهو نجم المجتمع اللامع، تزوجها بعد أسبوع واحد من أول نقاش بينهما، ثم بدأت الأوضاع الاقتصادية تتأزم حوله، بدأت العلاقة بينهما في الانحدار، ذات يوم ذهب لها في غرفتها بالاستوديو، وجدها تخونه مع الأديب نجيب محفوظ!

وكتب عن خيانتها له في أمياته، بالمصادفة عم سميرة محسن الأستاذ منير محسن مدير مكتب مكافحة الشيوعية في أمن الدولة!

تم تشريد نجيب سرور من وظيفته في المعهد العالي للسينما رغم شهادة الجميع بأنه أفضل من درس من الأساتذة، بعد ذلك طاردته المخابرات بتلفيق التهم، ثم أدخلته المصحة العقلية بالعباسية، وهذه ليست مستشفى نهائيًا؛ حيث تم إسكانه بالدرجة الرابعة، حيث العلاج بجلسات الكهرباء والمهدئات والمخدرات الكبرى التي تمنع الإنسان عن التفكير تمامًا، وهنا يحضر قول سرور: «يا.. اختشوا مجاذيب وفيها نجيب».

كان ما تعرض له سرور من التشرد وسوء الفاقة وإدراكه الشديد لوضع البلد اليائس ما دفعه لأفعال غريبة كان يفعلها، حيث جعل من الشاعر مسرحه الخاص، وقف في يوم في ميدان التحرير بجرس يرنه ويمسك بيد شهدي ابنه ويقول: «ألا أونا.. ألا دوى.. ألا تريه.. مين يشتري الفل مين؟ مين يشتري الورد مين؟»، في إشارة واضحة إلى أن أبناءنا يباعون، وأننا في خطر من إسرائيل، لكن الناس وقفت بين مشفق ومستنكر وآخر ضاحك، وكل لبيب بالإشارة يفهم.

تردد سرور في آخر أيامه على أكثر من مستشفى عقلية، ورافقه في رحلة علاجه الدكتور جلال الساعي، والذي أكد أنه ليس مريضًا عقليًا، وليس مصابًا بأي نوع من أنواع الجنون!

توفي سرور في بيت أخيه ثروت سرور بقريته الصغيرة، ووصى أن يكتب على شاهد القبر:

قد آن يا كيخوت للقلب الجريح أن يستريح.. فاحفر هنا قبرًا ونم.. واكتب على الصخر الأصم.. يا نابشًا قبرى حنانك.. هاهنا قبر ينام.. لا فرق من عام ينام وألف عام.. هذي العظام حصاد أيامي.. فرفقًا بالعظام.

الآن نعلم من يدخن الكنت…