ذكريات أليمة مترسخة في أذهان من شهدها، ومشاهدٌ لا يمكن نسيانها وتلاشيها من عقول أجدادنا، كل منهم لهُ قصةٌ عايشها وتألم منها، وفي مثل هذا اليوم من كل عام، «15 مايو (أيار)» تتجدد معاناة الأجداد؛ نظرًا إلى تأملهم بالعودة إلى ديارهم التي حلموا بالعودة إليها ما يزيد على 69 عامًا.

نكبة عام 1948 التي حتمت على أجدادنا الرحيل قسرًا من أراضيهم، حاملين هموهم على أكتافهم، تاركين خلفهم أمل العودة إلى أشجار الزيتون، والليمون، والتراب ذي الرائحة الذكية، إنها فلسطين العريقة التي تجعل كل من ينتمي إليها لا يشتهي سوى نور بهائها.

جرائم الاحتلال في وضح النهار

عند سؤالي لجدتي عن ساعة النكبة، بدأت حديثها قائلة: «ولله وكبرتي يا ستي وصرتي صحفية، مبارح كنتي تدوري على القرشلة مع كاسة الشاي تأكليها معي تحت الليمونة هسا صرتي صحفية».

بدأت حكاوي ستي فضحكتُ لبداية كلامها، وقلت لها: «لا يا ستي بس كل اللي بدي ياه أنه مش حلاقي أقرب منك يحكيلي عن البلاد وأيامكو القديمة اللي دايما بتتذكريها وبتحنيلها».

قالت بصوت يغمره مشاعر الحزن والشغف: «اييييه يا ستي كنا غلابة وطيبين كثير، كنا احنا اللي نستقبل اليهود ونهربهم عاليهود ونسكنهم بيناتنا ونعطيهم من خير بلادنا، كانوا مساكين وبدوروا على مكان يقعدو فيه، واللي ما كنا بنعرفه إنه إحنا المساكين وطيبتنا حتسيل دمنا ودمكو كمان، كانوا زي المرض بيتسللوا جواتنا شوي شوي لحد ما صاروا نسبة كبيرة من السكان من روسيا وأوروبا وكل مكان بالعالم، لحد ما اجا اليوم اللي تسلحوا فيه وانقلبوا علينا».

وتابعت حديثها: يوم 15 مايو 1948 هاجمونا بالسلاح والنار والحديد، وتهجر700 ألف فلسطيني من دورنا وبلادنا، أنا كنت قاعدة بحوش الدار «والطخ زي القلية»، بقول لجدك أبو فارس: «يا أبو فارس ايش في قوم نطلع من الدار عنا متنا»، سمعت اليهود دخلوا ع قرية بيت ياسين وقتلوا 600 واحد بالطخ والقنابل، ما كنا فاهمين شو بصير.

وبعيون دامعة قالت: «البريطانيين طلعوا من البلاد وإسرائيل أعلنت استقلالها، تاني يوم بعد ما اجتاحت وقتلت أكثر من شعر راسي ناس، والمجازر بكل فلسطين، إنجبرنا نتشرد زينا زي هالناس، كل ما نروح عالقرية اللي جمبنا يحرقوها لحد ما وصلنا غزة، دار عمك راحوا عالأردن كانت أقرب إلهم.

ناس بسوريا وناس بلبنان شردوا من الموت، دمروا اللد والرملة والقرى اللي حوالين القدس، وطردوا كل الفلسطينيين اللي فيها، ومن كل هالدمار قعدنا بغزة وسمونا (لاجئين)، ومن يومها لليوم واحنا لاجئين».

وبصوتٍ خافت تمتمت قائلة: «كنا نحاول نروح عالبلاد نقطف برتقال ونقطف زيتون ونلم الزعتر، كان كل يوم جمعة سيدك يقطف برتقال ويجي متخفي من الجيش، لكن بعد هيك صاروا يطخوهم، وخالك أبو مرزوق مات بهالايام.

وذكرت أصل الحكاية: «إحنا ما بدنا برتقان ولا زيتون ولا زعتر لنأكله، احنا كنا نحطهم عالطاولة لليوم، كل يوم بنحطهم عالطاولة برتقال يافا، وزيتون القدس، وزعتر نابلس، وخيار الخليل، أحراش الجليل، وسمك عسقلان، بفردهم قدامي لحتى شوف وطن مش مجرد أكل».

وختمت حكايتها قائلة: «هادي قصتنا يا ستي من أيام المندوب السامي ليوم مقصوفين الأسامي، لسا بنفوض القناصل والقياصر على 10% من بلادنا الوطنية الشرعية، ولكن الأمل بالعودة كبير وما بينتهي».

وألقت الضوء على نموذج آخر من المهجرين، كان الحاج أبو جهاد من بين المهجرين، يبلغ من العمر حينها 15 عامًا، يقطن الحاج في بلدة بيت حانون من أصول خليلية، بدأ حديثه يصف المشهد قائلاً: «بهديك الساعة كنت بمشي مسرع وقلبي على وشك إنه يتوقف، لا أستطيع الالتفات خوفًا من رصاصة احتلال غادرة قد تبطش بي أو بأحد إخوتي الصغار، فهم وصية والدي الذي كان يعمل بعيدًا عنا، وأمي التي قد فارقتنا قبل اليوم المشؤوم بفترة، تمسك بيد إخوته، وحمل بيده الأخرى طفلاً صغيرًا يتيمًا من الحي، كان يلعب مع إخوته في ذلك الوقت.

ومع زخم الرصاص سقط ذلك الطفل اليتيم شهيدًا بين يديه، فلم يكن لديه خيار سوى أن يعطي إخوته الصغار لأخيهم الأكبر مع إحدى الهاربين ليرى ما أصاب ذلك الطفل اليتيم؛ مات الطفل وفقد أحد إخوته الصغار، وبقي وحيدًا مع إخوته الثلاثة الصغار، إذ فارق والداهم الحياة في تلك المحنة، ما زال يبحث أبو جهاد بين الثنايا عن حق العودة أملاً منه أن يجتمع بعائلته الذين انتقل كل منهم إلى منطقة، لا سيما من انقطعت أخبارهم عنه عددًا من السنين.