السؤال:

يوجد في بعض البلاد: أن المراة إذا مات لها قريب تلبس عليه ثوباً أسود لمدة سنة كاملة، وإذا لم تلبس يقولون عليها بأنها فرحت بموت ذلك الشخص، وأنا علمت أن هذا لا يجوز،  فماذا تقولون في هذا الأمر عسى أن يستفيد الناس، ويعلموا بما يتضح لهم من حكم الشرع الحنيف؟

الإجابة:

هذا الذي ذكرت السائلة؛ من كون المرأة تحاد على قريبها سنة كاملة في ثوب أسود لا يجوز، وهذا لا أصل له، بل من عمل الجاهلية، فقد كانوا في الجاهلية تحاد المرأة فيهم إذا مات زوجها سنة كاملة، فأبطل ذلك الإسلام، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من سنة الجاهلية. وأوجب الله على المرأة بدلاً من ذلك: أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرا إذا كانت غير حامل أما إذا كانت حبلى، فإنها تنتهي من العدة بوضع الحمل، ولو بعد موت زوجها بساعات أو أيام؛ لقول الله سبحانه: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [سورة الطلاق، الآية 4].

أما القريب غير الزوج، فليس لها أن تحد عليه أكثر من ثلاثة أيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرا» [1]. (متفق على صحته). والإحداد: ترك الزينة المعتادة من أجل مصيبة الموت. أما كون المرأة تعتد سنة على قريب أو زوج، أو في لباس خاص أسود فقط، هذا كله لا أصل له، بل هو منكر من عمل الجاهلية، فلها أن تلبس الأسود أو الأصفر و الأخضر والأزرق، لكن تكون ملابس غير جميلة، وتكون عادية لا تلفت النظر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهى المحادة أن تلبس شيئا من الثياب المصبوغة فقال صلى الله عليه وسلم في حق المحادة على الزوج: «ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب» [2]. قال أهل العلم: إن ثوب العصب ليس فيه جمال؛ فالمشروع لها أن تلبس ثيابا ليس فيه جمال؛ لأنها تعرضها للفتنة، فتكون ملابسها ملابس عادية لا تلفت النظر. هذا هو المشروع للمحادة على الزوج، وعليها أن تتجنب الطيب مدة العدة، وكذلك الحلية من الذهب والفضة ونحوهما؛ كاللؤلؤ والماس وأشباه ذلك مدة العدة، وهكذا تتجنب الكحل في عينيها، كل هذا مما تمنع منه المحادة، ولها مداواة عينيها بغير الكحل.

 

والخلاصة: أن المحادة تؤمر بخمسة أمور:

1– أنها تبقى في بيت زوجها الذي مات وهي ساكنة فيه حتى تنتهي من العدة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للمحادة: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» [3]. هكذا قال صلى الله عليه وسلم: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» ؛ لكن لا بأس أن تخرج لحاجة في السوق لتشتريها؛ من طعام أو غيره، أو إلى الطبيب لحاجتها إلى الطبيب، فلا بأس بهذا، أما خروجها لغير ذلك؛ كالزيارات ونحو ذلك فلا، بل تبقى في بيتها، ولا تسافر أيضا لا لحج ولا غيره حتى تنتهي من عدتها.

2– أنها لا تلبس الملابس الجميلة، بل تلبس ملابس عادية ليس فيها جمال يلفت النظر كما تقدم آنفاً سواء كانت سوداء أو خضراء أو زرقاء أو حمراء، أو غير ذلك.

3– عدم لبس الحلي من الذهب والفضة ونحوها؛ كاللؤلؤ والماس وأشباه ذلك، فلا تلبس هذا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.

4 – عدم الطيب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمس طيباً» [4]؛ يعني المحادة، فلا تمس الطيب سواء كان من دهن العود، أو الورد أو أشباه ذلك إلا إذا كانت تحيض كالشابة؛ فإن لها أن تتبخر عند طهرها من حيضها، كما أذن بهذا النبي صلى الله عليه وسلم.

5– الكحل: ليس لها أن تكتحل، ولا أن تتعاطى الحناء؛ لأنه جمال، فتجتنب ذلك وما أشبهه.

وهذه الأمور الخمسة هي التي يلزم المحادة أن تراعيها وتعتني بها، أما ما سوى ذلك فهي من جنس بقية النساء؛ لها أن تغتسل متى شاءت، وأن تغير ثيابها متى شاءت، وأن تستعمل الدواء فيما يصيبها من أمراض؛ في عينيها أو غيرهما، ولها أن تخدم في بيتها من الطبخ وغيره، وتصعد إلى السطح في الليل والنهار، ولها أن تخرج إلى الحوش وإلى الحديقة التي في بيتها، كل هذا لا بأس به، وتكلم من شاءت من أقاربها، أو جيرانها بالهاتف أو غيره، كل هذا لا بأس به إذا كان كلاماً ليس فيه غيبة، وليس فيه منكر فهي من جنس بقية النساء، ولها أن تمشي في بيتها حافية ومنتعلة كغيرها.

__________________________________

[1] رواه الإمام أحمد في (مسند القبائل) برقم: 26759، والبخاري في (الطلاق) برقم: 5343، ومسلم في (الطلاق) برقم: 938.

[2] رواه الإمام أحمد في (مسند القبائل) برقم: 26817، والترمذي في (الطلاق واللعان) برقم: 1204، والنسائي في الطلاق برقم: 3470، 3472.

[3] أخرجه أبو داود برقم: 1957، كتاب (الطلاق)، والنسائي برقم: 3774، كتاب (الطلاق).

[4] أخرجه البخاري برقم: 4924، كتاب (الطلاق)، ومسلم برقم: 2739 كتاب (الطلاق).