في الفترة الأخيرة تأتيني وساوس في عدم تكفير الكافر، حيث يخطر ببالي أنني إذا رأيت شخصاً يجاهر بمعصيته، كمن شرب خمراً أو يزني، ويتضح من كلامه أنه لا يهمه الدين ويستهتر بالمعاصي، وأسأل نفسي هل نكفره على التعيين؟ فإذا أجبت وقلت لا، بل تجب إقامة الحجة عليه، لأننا لا نعلم نيته وما في قلبه، والله تعالى وحده هو الذي يعلم ما في القلوب، تأتيني الوساوس ولا أدري ما أفعل، مع أنني قرأت في موقع أحد الشيوخ أن مثل هذا يكفر على التعيين، ولا يشك أحد في كفره، من غير إقامة حجة، ولا أعلم صراحة ما هو الصحيح، وأخاف أن أقع في الكفر بسبب أنني قلت إن مثل هذا تجب إقامة الحجة عليه؛ خاصة وأنني لست عالماً ولا طالب علم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن المعصية لا يجوز التكفير بها عند أهل السنة إن لم يثبت كون العاصي مستحلا لها، ويدل لعدم كفره ما في الحديث القدسي: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن ـ وصححه الألباني.

وقال ابن أبي زيد: وأنه لا يكفر أحد من السلمين بذنب... اهـ.

ولا شك أن الخمر والزنى كبيرتان من الكبائر، يجب البعد عنهما واجتنابهما، ونهي مرتكبهما عن المنكر، ومما يعين على ذلك ترهيبه منهما بما ثبت في الشرع في شأنهما، فقد قال  الله جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون {المائدة: 90-91}.

وقد جاء في ذم شارب الخمر وعقابه أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام، وإن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار. أخرجه مسلم والنسائي.

ولا تقبل صلاته أربعين صباحا، لقوله صلى الله عليه وسلم: من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد في الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال: أي: صديد أهل النار. أخرجه الترمذي بسند حسن، ومثله عند أبي داود والنسائي.

وقال الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً {الإسراء: 32}.

وقال سبحانه: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ {النور: 30}.

وقال تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب {الفرقان:68-69}.

وقد جاء في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم التي قصها على الصحابة الكرام: فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال وأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات، قال فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا... وفي آخر الحديث سأل عنهم صلى الله عليه وسلم فقيل: وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني. رواه البخاري.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأن يطعن رأس رجل بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له. رواه الطبراني، وصححه الألباني.

وأما الموسوس: فيتأكد الأمر في حقه، وأن يبتعد عن الاسترسال مع الشيطان في الوسوسة، وأن يشغل نفسه عنها بالتعلم والدعوة إلى الله تعالى، وما تيسر من التكسب المشروع، واعلم أنه ليس فيما قلته في نفسك ما يقع به الكفر، فإن تكفير غير الكافر لا يعتبر مخرجا من الملة، ولا سيما في حق الموسوس، فقد قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار في شرح حديث: أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما...: قال أبو عمر: باء بها، أي احتمل وزرها، ومعناه أن الكافر إذا قيل له يا كافر فهو حامل وزر كفره، ولا حرج على قائل ذلك له، وكذلك القول للفاسق يا فاسق، وإذا قيل للمؤمن يا كافر فقد باء قائل ذلك بوزر الكلمة واحتمل إثما مبينا وبهتانا عظيما، إلا أنه لا يكفر بذلك، لأن الكفر لا يكون إلا بترك ما يكون به الإيمان، وفائدة هذا الحديث النهي عن تكفير المؤمن وتفسيقه، قال الله عز وجل: ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان {الحجرات: 11} فقال جماعة من المفسرين في هذه الآية: هو قول الرجل لأخيه يا كافر، يا فاسق وممن قال بذلك عكرمة، والحسن، وقتادة، وهو معنى قول مجاهد، لأنه قال: هو الرجل يدعى بالكفر وهو مسلم، وقد فسر ابن حبيب هذا الباب عن مطرف، عن مالك تفسيرا حسنا لا تدفعه الأصول قال: إنما هو في من قاله على اعتقاد التكفير بالنية والبصيرة، وهم الخوارج، لا أراه أراد بذلك إلا الخوارج الذين يكفرون أهل الإيمان بالذنوب، ومن ذهب مذهبهم ورأى رأيهم، فأما من قاله على وجه استعظام ما يرتكب الرجل من المعصية، وما يظهره من الفواحش، والتشديد بذلك النهي والزجر والترجع فليس من معنى الحديث في شيء. اهـ.

والله أعلم.