شاب يعمل في سلسلة محلات أجنبية، اشترطوا عليه في العقد قبل العمل أن لا يمارس نشاطا تجاريا فوافق، وتعرض شركتهم في موسم التخفيضات ملابس بأسعار زهيدة، فيشتريها التجار ويعيدون بيعها، ويشتري منها زملاؤه ويتاجرون بها رغم اشتراط الشركة عليهم جميعا الشرط السابق، والشركة تعلم تمام العلم بتجارتهم هذه، وتسمح لهم بشراء أي كمية بمالهم الخاص، ولا تعترض، ولكن يبقى الشرط النظري المكتوب، وهم لا يجاهرون بالبيع، ولكن الشركة والمدراء وجميع العاملين على علم بهذا، وهو لا يخشي أن يطرد من الشركة، بل يخشى عدم جواز إخلاله بالعقد شرعا، ويخشى الوقوع في المكسب الحرام، وهو يعاني الفقر والظروف الطاحنة، ويود التجارة خاصة وأنها تدر عائدا ماديا مجزيا يعينه على ظروفه الصعبة، فهل شراؤه لهذه الملابس المخفضة من ماله الخاص مثلما يفعل زملاؤه يكون عليه فيه إثم؟. وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن قضية الشروط الجعلية في العقود محل إشكال كبير، وقد تباينات اتجاهات العلماء فيها، وأشد الشروط إشكالا هي الشروط المعاصرة التي تتفنن جهات العمل في اختراعها واشتراطها على العمال، وما في كثير من الشروط من استغلال حاجة العمال والتعنت والتمحل باشتراط شروط لا علاقة لها بالعمل، وليس فيها مصلحة ظاهرة، والذي نفتي به في طائفة من فتاوانا أنه إن كان لجهة العمل مصلحة ظاهرة وغرض معتبر من اشتراط عدم العمل في التجارة أو نحوها خارج وقت الدوام، فيجب على العامل الالتزام بالشرط والتقيد به، وأما إن لم يكن لجهة العمل مصلحة ظاهرة في منع العامل من ذلك، وكان الشرط مجرد تعنت وإمعان في التحكم في حياة العامل، فلا يجب الوفاء بهذا الشرط، وانظر الفتوى رقم: 336250، وإحالاتها.

وأما علم جهة العمل بمخالفة العمال لشرطها بالكف عن النشاط التجاري وسكوتها عن إنكاره، وبيعهم البضائع المخفضة للعمال بكميات كبيرة لا تباع إلا لمن يمارس التجارة: فالمتبادر من هذه القرائن أنها تدل على الرضا، وتقوم مقام الإذن الصريح، جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: للتعبير عن الإذن وسائل متعددة، ومن ذلك اللفظ الصريح الدال على الإذن، كقول الأب لولده المميز: أذنت لك في التجارة، أو اشتر لي ثوبا وبعه، أو اتجر في كذا، وقد يكون الإذن بالإشارة أو الكتابة أو الرسالة، وكما يكون الإذن مباشرة ممن يملكه، فإنه يكون بالإنابة منه، كذلك التوكيل بالكتابة والرسالة يعتبر إذنا، وقد يعتبر السكوت إذنا في بعض التصرفات، والأصل أن السكوت لا يعتبر إذنا، وذلك لقاعدة: لا ينسب لساكت قول ـ ولكن خرج عن هذه القاعدة بعض الصور التي يعتبر السكوت فيها إذنا، ومن ذلك سكوت البكر عند وليها، فإن سكوتها يعتبر إذنا، وذلك بمقتضى الحديث: استأمروا النساء في أبضاعهن، فإن البكر تستحي فتسكت فهو إذنها ـ وهذا باتفاق الفقهاء، سواء أكان الاستئذان مستحبا أم واجبا، وقد اختلف الفقهاء في سكوت الولي عند رؤيته موليه يبيع ويشتري فسكت هل يعتبر سكوته إذنا أم لا؟ فعند الحنفية وفي قول للمالكية يعتبر إذنا، وعند الشافعية والحنابلة وزفر من الحنفية، وفي قول للمالكية لا يعتبر إذنا، لأن ما يكون الإذن فيه شرطا لا يعتبر فيه السكوت، كمن يبيع مال غيره وصاحبه ساكت فلا يعتبر إذنا، ولأن السكوت يحتمل الرضا ويحتمل السخط، فلا يصلح دليل الإذن عند الاحتمال، وقد يكون الإذن بطريق الدلالة، وذلك كتقديم الطعام للضيوف، فإنه قرينة تدل على الإذن وكشراء السيد لعبده بضاعة ووضعها في حانوته، وأمره بالجلوس فيه، وكبناء السقايات والخانات للمسلمين وأبناء السبيل. اهـ باختصار.

والله أعلم.