سمعت عن أحد المشايخ أنه قال إن المرتد لا يقتل إلا إذا كان يحارب الإسلام ويأمر الناس بالردة ويشككهم في الإسلام، فهل قال أحد من أهل العلم بذلك؟ فالذي أعلمه أن المرتد يستتاب وإن رفض ذلك يقتل ردةً، ولم يفرقوا بين من حارب الدين وغيره، فهل هذا الشيخ مبتدع مع أنه في بقية الأمور موافق لأهل السنة؟ وهل هذه البدعة كفرية؟ مع أنني أظنه يجهل بعض أمور الدين، لأنه قال أيضاً إن الملائكة خلقوا بلا إرادة، وقد قرأت خلاف ذلك؟ فهل من قال هذا عن الملائكة يعتبر كافراً؟.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالأدلة التي يستفاد منها حد الردة لا تفرق بين مرتد خرج من دينه واكتفى بذلك، وبين مرتد يحارب الإسلام ويأمر الناس بالردة ويشككهم في الإسلام!! فهذا وإن كان أشد جرما وأعظم ذنبا، إلا إن كلاهما يستحق القتل حدا على الردة، ثم يتفاوت الحساب والجزاء يوم القيامة بحسب العمل. وقد سبق لنا بيان الأدلة الواقعية والنقلية على وجوب قتل المرتد وحكمة ذلك، في الفتاوى التالية أرقامها: 142343، 13987، 150995.

ولمزيد الفائدة عن حكمة ذلك وعلاقته بحرية الاعتقاد يمكن الاطلاع على الفتوى رقم: 170755.

ولا نعلم أحدا من الأئمة المعتبرين قال بالقول الذي أشار إليه السائل، وقد نُقل الإجماع على أن علة قتل المرتد هو كفره وخروجه من دينه، كما تدل عليه نصوص السنة، كقوله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة. رواه البخاري ومسلم.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: والمراد بالجماعة جماعة المسلمين، أي فارقهم أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتارك أو المفارق، لا صفة مستقلة، وإلا لكانت الخصال أربعا، وهو كقوله قبل ذلك: مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ـ فإنها صفة مفسرة، لقوله: مسلم ـ وليست قيدا فيه، إذ لا يكون مسلما إلا بذلك، ويؤيد ما قلته أنه وقع في حديث عثمان: أو يكفر بعد إسلامه ـ أخرجه النسائي بسند صحيح، وفي لفظ له صحيح أيضا: ارتد بعد إسلامه ـ وله من طريق عمرو بن غالب عن عائشة: أو كفر بعد ما أسلم ـ وفي حديث ابن عباس عند النسائي: مرتد بعد إيمان ـ قال ابن دقيق العيد: الردة سبب لإباحة دم المسلم بالإجماع.. اهـ.

وقال الشوكاني في السيل الجرار: الأدلة قد دلت على أن الردة سبب من أسباب القتل، وأن هذا السبب مستقل بالسببية، كما في حديث: من بدل دينه فاقتلوه ـ ونحوه. اهـ.

وقد نص الفقهاء من مختلف المذاهب على أن الردَّة سبب يبيح الدم، أو يهدر الدم، وقال شيخ الاسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: الاعتبار عند النزاع بالرد إلى الله وإلى الرسول، والكتاب والسنة دال على ما ذكرناه من أن: المرتد يقتل بالاتفاق، وإن لم يكن من أهل القتال، إذا كان أعمى أو زمنا أو راهبا. اهـ.

وهنا ننبه على أن اختلاف الفقهاء لا يتعلق بأصل وجوب حد الردة على كل من كفر بعد إسلامه، وإنما يتعلق ببعض التفاصيل والفروع المتعلقة بذلك، كحكم استتابة المرتد، ومدتها، وهل تتكرر بتكرر الردة أبدا؟ وحكم قتل المرتدة من النساء خاصة؟ فالحنفية ـ خلافا لمذهب الجمهور ـ قالوا: لا تقتل ـ وإن كانت تحارب الإسلام وتشكك فيه وتدعو الناس إلى الردة ـ وذلك لعموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، بل تحبس مدى الحياة ويعرض عليها الإسلام كل يوم، أما التفريق بين المرتدين باعتبار عداوتهم أو محاربتهم للإسلام، ودعوتهم للكفر، فلا نعلم قائلا به من أئمة الدين المعتبرين، فهذا القول يدخل في حد البدعة والإحداث في الدين، لمخالفته لظواهر الأدلة المتضافرة، وخروجه عن أقوال الفقهاء المعتبرة، وأما قائل هذا القول فيختلف حكمه بحسب علمه أو جهله، وتأوُّله أو رده للأدلة الشرعية، وحسبنا هنا أن نثبت خطأه البيِّن في هذه المسألة، وراجع في بيان ضابط البدعة المكفرة، الفتوى رقم: 164195.

وأما القول بنفي الإرادة عن الملائكة، فيعني به قائله أنهم ليسوا مكلفين، ولا شهوة لهم، كالبشر، وهذا له وجهه وله تأويله، ولا دخل للكفر بذلك، وراجع لمعرفة الصواب في مسألة تكليف الملائكة ودخولهم في الوعد والوعيد، الفتوى رقم: 191157.
والله أعلم.