متى يكون الحلف بالله كذبا: كفرا أكبر مخرجا من الإسلام؟ ومتى يكون فسقا أو ظلما؟ وهل يستوي من يحلف بالله كذبا مرة كل فترة، بمن يحلف بالله يوميا أكثر من مرة؛ ليروج سلعته إذا كان بائعًا، أو ليشتري سلعة بثمن أرخص: إذا كان مشتريًا، فيقول كذبًا: والله لقد رأيتها في مكان كذا، بسعر أقل من السعر الذي تعرضه؟ أو ليتهرب من سداد قرض حل أجله، ويقول كذبًا: والله أنا في أزمة مالية؟ وهل يستوي الحلف بالله كذبا في مكة أو المدينة، أو في رمضان، أو في الأشهر الحرم: بمن يحلف بالله كذبًا في غيرهما من الأماكن، أو غيره من الشهور؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فإن اليمين الغموس، والحلف بالله كذبا، من كبائر الذنوب.

جاء في الزواجر للهيتمي: الكبيرة التاسعة، والعاشرة، والحادية عشرة، بعد الأربعمائة: اليمين الغموس، واليمين الكاذبة وإن لم تكن غموسا.

قال تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 77]. وأخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان» قال عبد الله: «ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم  مصداقه من كتاب الله عز وجل: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] إلى آخر الآية». والبخاري «أعرابيا جاء إلى النبي  صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما أكبر الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم» يعني بيمين هو فيها كاذب. والطبراني بسند صحيح والحاكم وصححه: «إن الله جل ذكره أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض، وعنقه منثن تحت العرش، وهو يقول: سبحانك ما أعظمك ربنا، فيرد عليه: ما علم ذلك من حلف بي كاذبا»

تنبيه: عد الأولى هو ما صرحت به هذه الأحاديث للتصريح فيها تارة بأن ذلك كبيرة، وتارة أخرى بأنه من أكبر الكبائر، وبذلك الوعيد الشديد، بل الذي لا أشد منه، ومن ثم اتفق أصحابنا على أن ذلك كبيرة.

وأما عد الثانية فهو ظاهر الحديث الصحيح السابق: ما علم ذلك من حلف بي كاذبا؛ إذ في هذا تهديد عظيم ووعيد شديد، ثم رأيت ما يصرح بذلك وهو تعبير بعض أئمتنا كصاحب العدة باليمين الفاجرة، وفسرها الزركشي بما يشمل الكاذبة، وإن لم تكن غموسا بالمعنى السابق .اهـ. باختصار.

ولم نقف على أحد من العلماء يقول بأن الحلف بالله كذبا يكون كفرا أكبر في حال من الأحوال، بل هذا القول خارج عن أصول أهل السنة والجماعة الذين لا يكفرون بمطلق الكبائر، فالتكفير بمطلق الذنوب هو طريقة الوعيدية من الخوارج والمعتزلة.

لكن من استحل الحلف بغير الله كذبا لأكل حق مسلم، فهذا يكفر لاستحلاله الحرام، جاء في صحيح مسلم عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة» فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: «وإن قضيبا من أراك»،.

قال النووي في شرحه: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: فقد أوجب الله تعالى له النار، وحرم عليه الجنة. ففيه الجوابان المتقدمان، المتكرران في نظائره، أحدهما: أنه محمول على المستحل لذلك، إذا مات على ذلك، فإنه يكفر، ويخلد في النار. والثاني: معناه فقد استحق النار، ويجوز العفو عنه، وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين. اهـ.

فالحلف بالله كذبا ليس كفرا أكبر بأي حال.

وأما سؤالك: (وهل يستوي من يحلف بالله كذبا مرة كل فترة: بمن يحلف بالله يوميا أكثر من مرة): فمن الجلي الذي لا يحتاج إلى كبير بيان، أن تكرار الذنوب واعتيادها، والإصرار عليها من موجبات تعظيمها، وأنه لا يستوي أبدا من يصر على الذنب ويعتاده، ومن يفعل الذنب لماما.

 قال ابن القيم في قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ {النجم:32}.

قال: والصحيح قول الجمهور أن اللمم صغائر الذنوب، كالنظرة، والغمزة، والقبلة، ونحو ذلك، هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو قول أبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، ومسروق، والشعبي.

ولا ينافي هذا قول أبي هريرة، وابن عباس في الرواية الأخرى: إنه يلم بالكبيرة، ثم لا يعود إليها، فإن اللمم إما أنه يتناول هذا وهذا، ويكون على وجهين، كما قال الكلبي، أو أن أبا هريرة، وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة -ولم يصر عليها، بل حصلت منه فلتة في عمره- باللمم، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة.

وهذا من فقه الصحابة -رضي الله عنهم- وغور علومهم، ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث، وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنب عادته، وتكرر منه مرارا كثيرة، وفي ذلك آثار سلفية، والاعتبار بالواقع يدل على هذا، ويذكر عن علي -رضي الله عنه- أنه دفع إليه سارق، فأمر بقطع يده، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت غير هذه المرة، فقال: كذبت، فلما قطعت يده قال: اصدقني، كم لك بهذه المرة؟ فقال: كذا وكذا مرة؟ فقال: صدقت، إن الله لا يؤاخذ بأول ذنب، أو كما قال، فأول ذنب إن لم يكن هو اللمم، فهو من جنسه ونظيره، فالقولان عن أبي هريرة، وابن عباس متفقان غير مختلفين.اهـ. من مدارج السالكين.

وأما الجزء الأخير من سؤالك: (وهل يستوي الحلف بالله كذبا في مكة أو المدينة، أو في رمضان، أو في الأشهر الحرم: بمن يحلف بالله كذبًا في غيرهما من الأماكن، أو غيره من الشهور؟) فجوابه: أن السيئات تعظم بشرف الزمان والمكان.

قال ابن تيمية: تضاعف العقوبة والثواب على من كان في المسجد الحرام، وعلى من فعل ذلك في شهر رمضان، ونحو ذلك.اهـ. من منهاج السنة.

وقال ابن رجب: السيئة تعظم أحيانا بشرف الزمان أو المكان، كما قال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] [التوبة: 36]. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] : في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، فجعلهن حرما، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم. وقد روي في حديثين مرفوعين «أن السيئات تضاعف في رمضان» ، ولكن إسنادهما لا يصح.

وقال تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] [الحج: 25]. كان جماعة من الصحابة يتقون سكنى الحرم، خشية ارتكاب الذنوب فيه: منهم ابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئة فيه أعظم. وروي عن عمر بن الخطاب، قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة -يعني بغير مكة- أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة. وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة، كما تضاعف الحسنات. وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك. اهـ. باختصار من جامع العلوم والحكم.

وقال ابن باز: إذا كان الشهر فاضلاً، والمكان فاضلاً ضوعفت فيه الحسنات، وعظم فيه إثم السيئات، فسيئة في رمضان أعظم إثماً من السيئة في غيره، كما أن طاعة في رمضان، أكثر ثواباً عند الله من طاعة في غيره. ولما كان رمضان بتلك المنزلة العظيمة، كان للطاعة فيه فضل عظيم ومضاعفة كثيرة، وكان إثم المعاصي فيه أشد وأكبر من إثمها في غيره، فالمسلم عليه أن يغتنم هذا الشهر المبارك بالطاعات والأعمال الصالحات، والإقلاع عن السيئات، عسى الله عز وجل أن يمن عليه بالقبول، ويوفقه للاستقامة على الحق، ولكن السيئة دائماً بمثلها لا تضاعف في العدد لا في رمضان ولا في غيره، أما الحسنة فإنها تضاعف بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة؛ لقول الله عز وجل في سورة الأنعام: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وهكذا في المكان الفاضل كالحرمين الشريفين، تضاعف فيهما أضعافاً كثيرة في الكمية والكيفية، أما السيئات فلا تضاعف بالكمية، ولكنها تضاعف بالكيفية في الزمان الفاضل، والمكان الفاضل كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. اهـ.

والله أعلم.