هناك شبهة تتعلق بجهاد الطلب، فنحن كدولة مسلمة يجب علينا أن نبعث وفدا إلى الدول غير المسلمة ندعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا كان بها، وإلا فسيدفعون الجزية، وإلا فالقتال، فإذا بعثت إلينا دولة نصرانية بعثة تبشير إلى الكعبة، فهل سنقبل أن يدعوا عوام المسلمين إلى النصرانية، بالطبع لا، فلماذا طلبنا منهم أن يسمحوا ببعثتنا، وإذا لم يجيبوا فسنأخذ منهم الجزية، ولكنهم لا يريدون الدفع ولا يريدون حماية منا؛ لأننا سنقول لهم ادفعوا وسنحميكم، يقول لي أحدهم نحن لا نريد هذه الحماية ولا نريد أن ندفع، فقط لا تدخلوا علينا وتبدلوا ديننا، واﻷمر الثالث إذا لم يقبلوا فالقتال، وهذا يظهر مدى عنف الدين الإسلامي!! إما أن تسلم أو تدفع أو أقتلك، ﻷن البلاد الغربية الآن لا تقاتلنا لتبدل ديننا. أرجو تفنيد هذه الشبهة لنرد على شخص غير مسلم لن يقتنع بالقرآن والسنة.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإذا افترضنا أن الإسلام هو الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وأن من مات على غيره من الملل فقد خسر خسرانا مبينا، واستحق العقوبة الأبدية في الآخرة، هذا مع كونه الدين الوحيد الذي له من التشريعات ما تصلح عليه معايش البشر، ويقيم العدل بينهم، وتستقيم به حياتهم في الدنيا، وبغير هذه التشريعات والهدايات تضطرب الحياة وتنحرف عن مسارها الصحي ... فإذا افترضنا صحة ذلك وجعلناه أساسا للنقاش حول موضوع ، فهل سيبقى الخلاف قائما؟ أم سيجزم العاقل المنصف بصحة السعي بكل قوة لنشر الدين الذي يتصف بذلك، والدفاع عنه، وإزالة رؤوس المعاندين له حتى يخلُّوا بينه وبين الأمم، ويصبح الناس أحرارا في اختياره أو عدمه، على أن يُقِرُّوا ـ في حال عدم اختياره ـ بسلطة دولته، ويخضعوا لقوانينه العادلة وأحكامه العامة، دون ما يخص دينهم الذي اختاروه لأنفسهم فهذا يكفل لهم فيه الحرية، ويُتركون فيه وما اختاروا لأنفسهم، كما هو الحاصل في عامة دول العالم المعاصر، فلها من الدساتير والقوانين ما يفرض الإقرار به على رعايا الدولة، كعقد اجتماعي ملزم للجميع، يحاكَمون جميعا إليه، سواء الموافق والمخالف، الراضي والساخط، وإلا لم يكن للدولة معنى ولا شأن! إذن فأصل الكلام ومبدؤه ينبغي أن يكون في البحث عن حقيقة دين الإسلام وأصوله وأحكامه، من خلال النظر في مصادره ومدارستها، نعني بذلك: القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وسيرته، ولاسيما فيما يتعلق بالأمور الكلية، كقضايا الإيمان والاعتقاد، وأصول العبادات والأخلاق، فإذا ثبتت الدعوى التي صدرنا بها الجواب، ترتب على ذلك صحة ما قلناه، وإن بطلت هذه الدعوى فليس للنقاش في الجهاد أو غيره من سبل نشر هذا الدين معنى، لبطلان هذا الدين من أصله، والمقصود أن النقاش ينبغي أن يبدأ بالحديث عن الفرق بين الإسلام نفسه كدين: عقيدةً وشريعةً، وبين غيره من الملل، ثم بعد ذلك يأتي الكلام عن الجهاد وغايته وفلسفته في الإسلام، وهذا ما سبق أن أشرنا إليه في الفتاوى التالية أرقامها: 199777، 166631، 136005، 120465.

والله أعلم.