السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا سيدة متزوجة مِن شخصٍ أحببتُه وأحبَّني جدًّا، ولكنه كان عصبيًّا جدًّا، ويُحب فرض رأيه في كل شيء، وكنتُ مُقتنعةً أن كل هذه الصفات يمكن أن تتغير مع الوقت.

كنتُ كثيرًا ما أتعاطف معه لما لاقاه من صعوبة في حياته، فكان دائم الحديث عن إهمال أهله له، ولم تكن لديه القدرة المالية، وكان أهلي يرفضونه، لكن ضغطتُ عليهم ووافقتُ عليه، ثم سافر إلى بلد آخر للعمل براتب جيد، والحمد لله تزوجنا.

لم يكن أهله يودونني، وكانتْ علاقتي بهم رسمية جدًّا بعد الزواج، وظلَّتْ عصبيتُه كما هي لم تتغيَّر، ومع الوقت تطوَّرَتْ إلى الضرْب، والسبِّ، والشتم، وسب الذات الإلهية - والعياذ بالله، خاصة وأني كنتُ في بلاد الغربة من أجل عمله.

لَم أبلغْ أهلي بمسألة الضرب إلا بعد سنة، وطلب مني والدي أن أعود إلى وطني وعدتُ، وتدخل والده، لكنه أساء إليَّ واتهمني بأني ناشزٌ، ومقَصِّرة في أمور بيتي، مع العلم بأني متعلمة، وأعمل لكي أساعد زوجي، ونجمع مبلغًا من المال لنؤمن به مستقبلنا، وكنتُ أحاول بكل طاقتي أن أوفق بين بيتي وعملي، ويشهد لذلك كثيرٌ من أصدقائنا المقربين!

ورغم تطاوله عليَّ وعلى أهلي بالشتم لَم أُرِدْ أن أخرب بيتي، وعدتُ لوحدي، لكنه لم يُقَدِّر ذلك وعاملني كالخادمة.

زوجي لديه قلبٌ طيبٌ بالرغم من تصرفاته معي، ولديه أعمال رائعة معي، ولكن لا أدري لماذا لا نستطيع النقاش في أي موضوع دون الانتهاء بالضرب المبرح الذي تبقى آثاره لأيام نتيجة استخدام بعض الأدوات التي يضربني بها؟!

زوجي كثير الكذب، حتى في أتفه الأمور، فبعد أن جمعنا مبلغًا من المال يكفي لشراء قطعة من الأرض، واتفقنا على تسجيلها بالمناصفة، اشتراها وسجلها باسمه وجعلني أتنازل عن حقي في نصف الأرض، ووعدني بأنه سيكتب وصل أمانة أو يسجل لي شيئًا باسمه، لكنه لم يفِ بوعوده!

كنتُ كثيرًا ما أحاول التقرب له، لكنه لا يعيرني اهتمامًا، بل همه وشغله الشاغل الهاتف والفيس بوك ومواقع الإنترنت.

تدخل أهله في الأمر وشددوا عليه ألا يكتبَ شيئًا لي، ووصفوني بأني مادية، وغير مأمونة على المال، وحدثتْ بيننا مشكلات كثيرة بسبب ذلك وبسبب كثرة الكذب.

وطلبت الطلاق، وعندما سألني عن شروطي أخبرته بحقي في الأرض، لكنه لم يقبلْ وطلقني، وجعلني أتنازل له عن جميع حقوقي؛ المؤخر، والنفقة، ولم يكتب لي أي وصل أمانة أو ضمان بحقي في الأرض.

حاول إعادتي، فوافقت مقابل أن يعيد لي حقي، لكنه اتهمني وأهلي بأننا ماديون! وللأسف اكتشفتُ بعد الطلاق أنه يتحدث مع فتيات عبر الفيس بوك.

أخبروني هل أخطأت في تعاملي معه؟ وكيف أتخلص من شعوري بالذنب تجاه ما حصل؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فلا أعلم أي ذنبٍ تشعرين به بعد كلِّ ما ذكرتِه عن طليقك؛ فهو مثالٌ صريح لِسُوء العشرة، وفي عدم المُعاشَرة بالمعروف؛ فضلًا عن جُرأته على الله تعالى، حتى وصل به الأمر أنْ يسبَّ الذات الإلهية العظيمة - تعالى الله عن ذلك عُلوًّا عظيمًا - وهو كفرٌ مجردٌ؛ قال أبو محمد ابن حزم في "المحلى بالآثار" (12/ 435): "وأما سبُّ الله تعالى: فما على ظهر الأرض مسلمٌ يخالف في أنه كفرٌ مجردٌ".

وقال (12/ 438): "كلُّ مَن سب الله تعالى، أو استهزأ به، أو سبَّ ملَكًا من الملائكة، أو استهزأ به، أو سبَّ نبيًّا من الأنبياء، أو استهزأ به، أو سبَّ آيةً من آيات الله تعالى، أو استهزأ بها، والشرائع كلها، والقرآن من آيات الله تعالى، فهو بذلك كافرٌ مرتدٌ، له حكم المرتدِّ".

وكذلك ضَرْبُه لك، وأخْذُه لحقوقك، وسبُّك، وسبُّ أبيك، إلى آخر ما ذكرتِ - كلُّ هذا يوجِب عليك التريُّث قبل التفكير في العودة إليه، ولا تصدِّقي كلامه؛ فقد ذكرت أنه معتادٌ على الكذب، بل هو يرفُض أن تشترطي عليه شروطًا قبل العودة، ويتعلل بأبيه، ومعلومٌ - بداهةً - أن الشروط عند مقاطع الحقوق، كما في الأمثال العربية، وقرَّر هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتُم به الفُرُوج»؛ رواه البخاري ومسلمٌ عن عقبة بن عامر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شُرُوطهم»؛ رواه الترمذي، وغيره، وقد قيل: الشرطُ أمْلَكُ؛ عليك أم لك.

واعلمي - أيتها الأخت الكريمة - أنَّ المؤمن ينبغي أن يكون حَذِرًا؛ بحيث لا يُخدع من جهة واحدةٍ مرتين، ففي ثنايا رسالتك كثيرٌ مما خُدعت به من هذا الزوج، فاحذري تلك المرة ما دام الطلاقُ قد وقع ولأسباب ظاهرةٍ، فلا تعودي حتى ينصلحَ حالُه، ويتوبَ إلى الله مما جناه على نفسه وعليك، وتأخذي على ذلك ضماناتٍ مكتوبةً، وإلا فستتكرر المشكلةُ مراتٍ ومراتٍ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - علَّمنا هذا، فقال: «لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين»؛ متفقٌ عليه.

والمعنى: أن المؤمن الحقُّ هو الكَيِّس الحازم؛ فلا يُستغفل، فيُخدع مرةً بعد أخرى، ولا يفطن لذلك، فلا يؤتى من وجهٍ واحدٍ مرتين.

فإذا استقام حالُه، وحسُنَتْ أخلاقُه، وأعطاك حقوقك، وكتبتم عليه مِن الشروط ما يضمن حقوقك، ويحفظ كرامتك، وإلا ففي الناس أبدالٌ؛ {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130]؛ أي: مِن فضْله وإحسانه الواسع الشامل، فيُغنيك بزوجٍ صالحٍ يعرف حقوق الزوجة، ويتقي الله فيك إن كان قد انقطع نَصيبك من هذا الرجل، فإن الله تعالى المتكفل بأرزاق جميع الخلق، القائم بمصالحهم، وهو سبحانه كثيرُ الفَضْل، واسعُ الرحمة، وصلتْ رحمته وإحسانه حيث وصل إليه علمه.

وفَّقك الله لكل خيرٍ