بداية يا شيخي الكريم: أنا الآن طالب جامعي، في السنة الأولى بكلية الطب البشري، منذ حوالي ثلاث سنوات؛ حينما كنت في المدرسة الثانوية أحسست بقبول تجاه فتاة معينة معي في الصف، كذلك هي، ولم تكن بيننا علاقة ولا شيء يغضب الله، فقط استنبطنا هذا القبول من بعض التصرفات العادية، ولكن المشكلة أنه وبعد انقضاء أيام الثانوية، التحقت أنا بكلية الطب، وهي بكلية الحاسبات والمعلومات، وأصبحنا فى مكانين مختلفين تماما، ولم يعد أي منا يعرف شيئا عن الآخر . فقمت أنا بالاتصال بها، مع العلم أني حصلت على رقمها من أحد الأساتذة، اتصلت بها وأخبرتها بنيتي في خطبتها؛ فوافقت أن تنتظر أربع سنوات، ولكن حصلت بعض الأمور جعلتنا نكرر الاتصال ثلاث مرات، وأصبحنا نتواصل عبر رسائل مواقع التواصل الاجتماعي. نحن لا نتكلم في الأمور العاطفية، ولم ننطق بها حتى، ولكن نتكلم في مشاكل الدراسة والحياة عموما، ولكن نحن الاثنان نعلم أنه لا يجوز أن تكون علاقة بين الشاب والفتاة بدون ارتباط شرعي، حتى وإن كان حديثنا محترما. حاولنا قطع العلاقة، ولكن كنا نفشل في كل مرة بسبب تعرض أحدنا لمشكلة في الدراسة، فيعرضها على الآخر ليجد له حلا. والآن نحن نريد أن نبتعد بشكل مؤقت حتى تنتهي الأربع سنوات، ومن ثم أتقدم بطلب يدها، ولكنها تحتاجني دائما. فماذا نفعل؟ وما عقابنا على الفترة التي مضت ونحن فيها نتواصل، حيث نحن الآن أكملنا ثلاثة أشهر بهذه العلاقة؟ وهل يجوز إذا قطعنا العلاقة أن نتابع بعضنا عبر الفيس بوك للاطمئنان على أمور الدراسة والامتحانات؟ وهل يجوز لكل منا أن يفكر في الآخر؟ وأن يدعو له بالخير؟ وقد أعطيتها كلمة السر الخاصة بحسابي على الفيس بوك، وهي كذلك، لنطمئن على بعضنا دون حديث بأن يدخل كل منا على صفحة الآخر. فهل هذا جائز؟ أعتذر عن الإطالة، ولكم منا جزيل الشكر. أرجوكم لا تحيلوني إلى فتوى سابقة.

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

ففي الجملة، فإن محادثة الرجل للمرأة الأجنبية، جائزة عند الحاجة، وبشرط مراعاة الآداب الشرعية، والبعد عن كل ما يدعو إلى الفتنة من اللين في القول، وبالتلذذ بسماع الصوت ونحو ذلك، قال تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا {الأحزاب:32}.

ففي تفسير ابن كثير: قَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: يَعْنِي بِذَلِكَ: تَرْقِيقَ الْكَلَامِ إِذَا خَاطَبْنَ الرِّجَالَ..... وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهَا تُخَاطِبُ الْأَجَانِبَ بِكَلَامٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْخِيمٌ، أَيْ: لَا تُخَاطِبِ الْمَرْأَةُ الْأَجَانِبَ كَمَا تُخَاطِبُ زَوْجَهَا. اهـ.

فإن كان كلامك معها فيما مضى للحاجة فقط، ولم تتجاوزا فيه حدود الشرع، فنرجو أن لا حرج عليكما في ذلك.

ولكن المحادثة بين الشاب والفتاة قد يكون مزلقا من المزالق، وخاصة فيمن كان في مثل حالكما من تعلق قلب كل منكما بالآخر، فقد يستغل الشيطان ذلك ليوقعكما في الإثم، ويستدرجكما إلى المعصية، والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {النور:21}، ومن هنا شدد الفقهاء في أمر الكلام مع الفتاة الأجنبية.

قال الخادمي  في كتابه: بريقة محمودية - وهو حنفي - قال: التكلم مع الشابة الأجنبية لا يجوز بلا حاجة؛ لأنه مظنة الفتنة. اهـ.

 وقال صاحب كشاف القناع من الحنابلة: وإن سلم الرجل عليها -أي على الشابة- لم ترده دفعاً للمفسدة. اهـ.

فإن أردتما السلامة لدينكما، فاجتنبا أي نوع من التواصل. ولا بأس بأن يطلع كل منكما على ما يكون منشورا بحيث يطلع عليه الجميع في الفيسبوك وغيره، مع الحذر من الدردشة في الغرف الخاصة ونحو ذلك.

 ولا بأس بأن يدعو كل منكما للآخر بخير، وكذلك مجرد تفكير كل منكما في الآخر، لا حرج فيه، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل، أو تكلم به ». ولكن تعمد هذا التفكير أو الاسترسال فيه، ربما قاد إلى ما يؤاخذ به صاحبه شرعا من قول أو فعل، ولذا يجب الحذر.

 يقول ابن القيم: دافع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فإن لم تدافعها صارت فعلا، فإن لم تتداركه بضده صار عادة، فيصعب عليك الانتقال عنها. اهـ. 

ويقول في موضع آخر: وأول ما يطرق القلب الخطرة، فإن دفعها استراح مما بعدها، وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها، وإلا قويت وصارت شهوة، فإن عالجها وإلا صارت إرادة، فإن عالجها وإلا صارت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها، واقترن بها الفعل ولا بد. اهـ.

 وفي الختام نوصي بالمبادرة إلى إتمام الزواج ما أمكن، فإنه يطفئ نار العشق في القلب، ويبعث على سكون النفس واستقرارها، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {الروم:21}.

والله أعلم.