هل القضايا الاعتقادية لا تثبت إلا بدليل قطعي الدلالة، وأما أحاديث الآحاد فلا يجب الإيمان بها في المعتقدات؟ وهل عذاب القبر ثبت بأدلة قطعية أم ظنية؟ وما حكم منكره، لأنه ورد صريحا في أحاديث آحاد، وأما الآيات فهي ظنية الدلالة؟.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فحديث الآحاد المستجمع لشروط الصحة حجة في كل مسائل الدين، اعتقادية كانت أو عملية، وقد سبق لنا بيان ذلك في عدة مواضع، فراجع منها الفتاوى التالية أرقامها: 14050، 129610، 8406.

وأحاديث عذاب القبر ونعيمه ليست من هذا الباب، فهي ثابتة بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي محل اتفاق بين المعتبرين من علماء المسلمين، قال أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: وأجمعوا على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيون فيها ويسألون، فيثبت الله من أحب تثبيته. اهـ.

وقال ابن القيم في كتاب الروح: فإذا عرفت هذه الأقوال الباطلة فلتعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى، ونحن نثبت ما ذكرناه، فأما أحاديث عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير فكثيرة متواترة... اهـ.

وقال شارح الطحاوية: وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به. اهـ.

وقال السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور: باب فتنة القبر وسؤال الملكين، قد تواترت الأحاديث بذلك مؤكدة من رواية: أنس، والبراء، وتميم الداري، وبشير بن الكمال، وثوبان، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن رواحة، وعبادة بن الصامت، وحذيفة، وضمرة بن حبيب، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي رافع، وأبي سعيد الخدري، وأبي قتادة وأبي هريرة، وأبي موسى، وأسماء، وعائشة، رضي الله عنهم أجمعين... اهـ.

وممن نقل هذا التواتر، ووجوب الإيمان به: شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه، والحافظ ابن رجب في أهوال القبور، والغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد، والشاطبي في الاعتصام، والأسْفَرايِيني في التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، والسفاريني في لوامع الأنوار، وراجع للفائدة الفتويين رقم: 16778، ورقم: 2112.

وأما حكم منكر عذاب القبر: فراجعه في الفتوى رقم: 290227.
والله أعلم.