في مسألة تحريم الرجل لزوجته، بأن قال لها: تحرمين عليّ ليوم الدِّين (دون أن يقول: كظهر أمي) قرأت فتاوى تعتبره تحريمًا يستوجب الكفارة فقط، بإطعام عشرة مساكين -لأنه لم يقل: كظهر أمي، ولم يحكم بكفارة الظهار. وقرأت أيضًا فتاوى تقول: لو كان الزوج يقصد طلاقًا، فهو طلاق، وإن كان يقصد ظهارًا، فهو ظهار، حسب النية. وحسب معرفتي، فإن ما جاء في سورة المجادلة، وبعد نزول حكم الله في قضية الظهار، لم يسأل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام عن نية الزوج: هل كان يقصد طلاقًا أو ظهارًا؟ وسؤالي هو: ما رأي فضيلتكم في هذه القضية؟ وما الحجج التي قد تغيب عن فهمي، والتي استند إليها المشايخ الذين يفتون بحسب نية الزوج أطلاقًا كانت نيته، أم ظهارًا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فالصورة التي سألت عنها، تختلف عن تلك التي جاءت بها الآية، فما جاء في الآية من قبيل صريح الظهار. وهذا يقع به الظهار، ولو نوى به غيره، وهو محل اتفاق بين الفقهاء، قال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-: وإن قال: أنت عليّ كظهر أمي، حرام، فهو صريح في الظهار، لا ينصرف إلى غيره، سواء نوى الطلاق، أو لم ينوه. وليس فيه اختلاف -بحمد الله-.

ففي هذا لا يسأل الزوج عن نيته؛ لكونه من الصريح.

وأمّا الصورة الأخرى من نحو قول الزوج لزوجته: تحرمين عليّ ليوم الدين، فليس صريحًا في الظهار؛ ولذلك اختلف أهل العلم في حكمه، قال ابن قدامة -رحمه الله-: إذا قال: أنت عليّ حرام. فإن نوى به الظهار، فهو ظهار، في قول عامتهم. وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي.

وإن نوى به الطلاق، فقد ذكرناه في باب الطلاق.

وإن أطلق ففيه روايتان: إحداهما: هو ظهار. ذكره الخرقي في موضع آخر. ونص عليه أحمد، في رواية جماعة من أصحابه. ....

وروي عن أحمد ما يدل على أن التحريم يمين. وروي عن ابن عباس، أنه قال: إن التحريم يمين في كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1]، ثم قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2]. اهـ.

وقد ذكر ابن قدامة -رحمه الله- حجة من لم يحمل هذا القول على الظهار، فقال -رحمه الله-: وأكثر الفقهاء على أن التحريم إذا لم ينوِ به الظهار، ليس بظهار.

وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ووجه ذلك الآية المذكورة، وأن التحريم يتنوع، منه ما هو بظهار، وبطلاق، وبحيض، وإحرام، وصيام، فلا يكون التحريم صريحًا في واحد منها، ولا ينصرف إليه بغير نية، كما لا ينصرف إلى تحريم الطلاق. اهـ.

 وهذا الكلام وجيه؛ ولذلك هو الذي نفتي به.

والله أعلم.