في قوله تعالى: (وما كان ربك نسيًّا) نفى كثرة النسيان؛ لأنه نفى صيغة المبالغة، ولم ينف اسم الفاعل. لم يقل: (وما كان ربك ناسيا) هذا يعني وفق منطوق الآية، أن الرب قد ينسى. في قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة..........قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) آل عمران-81- ثم يقول الحق: (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) آل عمران-82-فمن تولى ممن؟ من النبيين؟! وكذلك في قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) آل عمران-161-من يغلل ممن؟ من النبيين؟!!! انظر في مصادرك ومراجعك، ولا تتعجل، ولا تتسرع. أرجو الرد. وشكرا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فإن لك عدة أسئلة تسبح في فلك الاعتراض على أساليب القرآن العظيم، باعتراضات باردة، ساقطة، جمعت الجهل بالشرع واللغة، مع ترفع وعلو، بأسلوب ينضح بسوء الأدب مع كتاب الله جل وعلا، والجرأة والتحدي للمسؤول، والذي يبدو لنا أن مثل هذه الأسئلة بهذه الطريقة في الطرح، لا تكاد تصدر إلا من أحد رجلين: إما مبتغ للخصام والجدل، وإفحام القائمين على الموقع، و إما شخص يريد الطعن في كتاب الله جل، وإظهار النقص فيه.

وطريقتنا هي الإعراض عن هذا الضرب من السائلين، وهذا أقل ما ينبغي أن يعاملوا به.

قال ابن تيمية -حاكيا طريقة الصحابة ومن اتبعهم بإحسان-: كانوا إذا رأوا من يسأل عن المتشابه، بالغوا في كفه تارة بالقول العنيف؛ وتارة بالضرب، وتارة بالإعراض الدال على شدة الكراهة لمسألته.

ولذلك لما بلغ عمر - رضي الله عنه - أن صبيغا يسأل عن المتشابه، أعد له عراجين النخل، فبينما عمر يخطب، قام فسأله عن: {والذاريات ذروا} {فالحاملات وقرا} وما بعدها. فنزل عمر فقال: "لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف" ثم أمر به فضرب ضربا شديدا، وبعث به إلى البصرة، وأمرهم أن لا يجالسوه، فكان بها كالبعير الأجرب، لا يأتي مجلسا إلا قالوا: "عزمة أمير المؤمنين" فتفرقوا عنه حتى تاب، وحلف بالله ما بقي يجد مما كان في نفسه شيئا، فأذن عمر في مجالسته، فلما خرجت الخوارج أتي فقيل له: هذا وقتك، فقال: لا، نفعتني موعظة العبد الصالح.

ولما سئل "مالك بن أنس" - رحمه الله تعالى - فقيل له: يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فأطرق مالك وعلاه الرحضاء -يعني العرق- وانتظر القوم ما يجيء منه فيه. فرفع رأسه إلى السائل وقال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأحسبك رجل سوء". وأمر به فأخرج. اهـ.

وقد استقرى الإمام الشاطبي أنواع المسألة المذمومة في الشرع، وإذا نظرت فيها، علمت أنك بأسئلتك هذه قد جمعت ألوانا من المسائل المنهي عنها في الشرع.

قال الشاطبي رحمه الله: الإكثار من الأسئلة مذموم، والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة، وكلام السلف الصالح؛ من ذلك قوله تعالى: {يا أيها يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} الآية: [المائدة: 101]. وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قرأ: {ولله على الناس حج البيت} الآية [آل عمران: 97]. فقال رجل: يا رسول الله! أكل عام؟ فأعرض ثم قال: يا رسول الله! أكل عام "ثلاثا"؟ وفي كل ذلك يعرض، وقال في الرابعة: "والذي نفسي بيده؛ لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو لم تقوموا بها لكفرتم؛ فذروني ما تركتكم". وفي مثل هذا نزلت: {لا تسألوا عن أشياء} الآية [المائدة: 101]. وكره عليه الصلاة والسلام المسائل وعابها، ونهى عن كثرة ، وكان عليه الصلاة والسلام يكره فيما لم ينزل فيه حكم، وقال: "إن الله فرض فرائض؛ فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء؛ فلا تنتهكوها، وحد حدودا؛ فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء رحمة بكم؛ لا عن نسيان؛ فلا تبحثوا عنها". وقال ابن عباس: "ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض صلى الله عليه وسلم، كلهن في القرآن: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222]. {ويسألونك عن اليتامى} [البقرة: 220]. {يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217]. ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم". يعني أن هذا كان الغالب عليهم. وفي الحديث: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم عليه؛ فحرم عليهم من أجل مسألته". وقال: "ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم. اهـ.
ثم قال رحمه الله: لكراهية مواضع، نذكر منها عشرة مواضع:

أحدها: عما لا ينفع في الدين؛ كسؤال عبد الله بن حذافة: من أبي"، وروي في التفسير أنه عليه الصلاة والسلام سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا، ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: {يسألونك عن الأهلة} الآية، إلى قوله: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189]؛ فإنما أجيب بما فيه من منافع الدين.

والثاني: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته؛ كما سأل الرجل عن الحج: أكل عام؟ مع أن قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقه، ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67].

والثالث: من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا والله أعلم خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: "ذروني ما تركتكم"، وقوله: "وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان؛ فلا تبحثوا عنها".

والرابع: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها؛ كما جاء في النهي عن الأغلوطات.

والخامس: أن يسأل عن علة الحكم، وهو من قبيل التعبدات التي لا يعقل لها معنى، أو السائل ممن لا يليق به ذلك ، كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة.

والسادس: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} [ص: 86]، ولما سأل الرجل: "يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا". الحديث.

والسابع: أن يظهر من معارضة الكتاب والسنة بالرأي، قيل لمالك بن أنس: "الرجل يكون عالما بالسنة؛ أيجادل عنها؟ قال: "لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبلت منه، وإلا سكت".

والثامن: عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه} الآية [آل عمران: 7]. وعن عمر بن عبد العزيز: "من جعل دينه غرضا للخصومات؛ أسرع التنقل".

ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء، فقال: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة".

والتاسع: عما شجر بين السلف الصالح، وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين؛ فقال: "تلك دماء كف الله عنها يدي؛ فلا أحب أن يطلخ بها لساني".

والعاشر: سؤال التعنت والإفحام، وطلب الغلبة في الخصام، وفي القرآن في ذم نحو هذا: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} [البقرة: 204]. وقال: {بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 58]. وفي الحديث: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".

هذه جملة من المواضع التي يكره فيها، يقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها واحدا، بل فيها ما تشتد كراهيته، ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم، ومنها ما يكون محل اجتهاد. اهـ. باختصار من الموافقات.

والله أعلم.