بارك الله فيكم على هذا الموقع الرائع. أنا امرأة متزوجة، وعندي ولد وبنت. أنا على قدر من الإيمان ولله الحمد، وأحاول دائما أن ألتزم بأوامر الله تعالى ورسوله الكريم. وما من دعوة دعوت الله بها، إلا واستجاب لي، وعندي يقين وثقة، وتوكل على الله بشكل كبير وقوي. لقد أصبحت حاملا بطفلي الثالث، وكنت دائما أدعو الله أن يرزقني بطفل كامل وسليم، وأن يجعله من الصالحين. وعند ولادتي تمزق رحمي، وانقطع الأوكسجين عن ابني، وأصبح عنده تلف شديد في الدماغ، وهو الآن في المستشفى مشلول لا يبلع، ولا يرضع، ولا يبكي، ولا يرى، والآن عمره شهران ونصف. الموضوع هو أنه بعد الذي حصل لابني، تزعزعت قوتي، وأصبحت إنسانة مشوشة الأفكار، وضعيفة، وقلقة، وحزينة، وأبكي، وتأتيني وساوس كفر بالله ورسوله والعياذ بالله (أشعر كأنما يوجد صوت بداخلي كلما أحاول أن أدعو وأناجي الله، فإن هذا الشخص يتكلم ويستهزئ بالله ورسوله، ولكن هذا الشخص يتكلم بصوتي أنا)، أشعر أنني محاصرة، وأحاول أن أطرد وساوس الكفر هذه، وكذلك أشعر بأنني غير قادرة على أن أصبر على ما حصل لابني. سابقا كان إيماني قويا، وعندي توكل على الله بشكل كبير، ولا أفكر بالمستقبل، ولكن بعد الذي حصل لابني، أشعر أن إيماني ضعيف، حيث إنني غير واثقة هل الله سوف ينجي ابني أم لا؟! وأغلب الأحيان أتشاجر مع أبنائي وزوجي من غير سبب، حيث إني حزينة، وغير قادرة على تحمل أي شيء من حولي بسبب ما حصل لابني، وعزلت نفسي عن الناس. أرجو أن تنصحوني ما هو الصبر؟ وكيف أعرف أنني صابرة غير جزعة؟ وهل أن ما حصل لنا هو ابتلاء من الله أم عقاب؟ أرجو أن تنصحوني كيف أتعامل مع هذا الوضع؟ وجزاكم الله خير الجزاء.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد: 

فنسأل الله أن يأجرك في مصيبتك، وأن يخلف لك خيرا منها، ثم اعلمي أن الصبر هو حبس النفس عن الجزع، والتسخط، والجوارح عن إظهار هذا الجزع بلطم الخدود، أو شق الجيوب، أو نحو ذلك، وحبس اللسان عن الشكوى والاعتراض.

وتعرفين أنك صابرة إذا حققت هذا الأمر، فلم تتسخطي أقدار الله، ولم تعترضي على شيء من أفعاله سبحانه، واعلمي أن ربك تعالى حكيم، فما قدر ما قدره عليك إلا لحكمة بالغة، فعليك أن تستسلمي لحكمه، وترضي بقضائه وقدره، وتعلمي أنه سبحانه أرحم بك وبأبنائك من الأم بولدها، وأنه سبحانه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ {التغابن:11}.

قال علقمة: هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم.

فاحمدي الله على ما منَّ به عليك، وسليه من فضله الواسع، ووطني نفسك على الرضا بجميع ما يقدره ويقضيه، وقد يكون ما أصابك بلاء لتمحيصك، وحط ذنوبك، ورفع درجاتك، واختبارا ليزيد إيمانك، وتسليمك لحكم الله تعالى.

  وأما الوساوس ونحوها، فأعرضي عنها، وجاهديها ولا تبالي بها، ولا تسترسلي معها، ولا تركني إلى شيء منها، واعلمي أنها لا تضرك ما دمت كارهة لها، نافرة منها، فننصحك أن تعيشي حياتك بصورة طبيعية، مستسلمة لحكم الله، راضية بجميع ما يقدره ويقضيه، عالمة أنه إن أخذ فقد أعطى أكثر مما أخذ سبحانه وبحمده، ونحن جميعا ضيوف في هذه الدنيا، ومرتحلون عنها إن عاجلا أو آجلا، وأموالنا وأهلونا ما هي إلا ودائع، ولا بد أن ترد يوما كما قيل:

وما المال والأهلون إلا ودائع *** ولا بد يوما أن ترد الودائعُ

فنسأل الله أن يربط على قلبك، ويزيدك إيمانا وتسليما.

والله أعلم.