تأتيني من وقت لآخر وساوس وشكوك في وجود الله، والإسلام، وأقول: هل من المعقول أننا على صواب، وكل العالم على خطأ؟ وكل أحد في الدنيا يرى أن عقيدته هي الصحيحة والباقي على خطأ، وأخاف أن تغيرني هذه الوساوس عن الحق، وعن الإسلام، وأشك في القرآن بسبب القراءات العشر، فكيف نزل القرآن بلغة واحدة، وهو سبع قراءات مختلفة؟ وكيف كانت القراءات سبعًا، ثم صارت عشرًا؟ وبالنسبة لشكوكي في وجود الله، فإن نبي الله طلب أن يرى الله ليطمئن قلبه وهو نبي، فكيف تطمئن قلوبنا؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فقول الأخت السائلة: أخاف أن تغيرني هذه الوساوس عن الحق، وعن الإسلام ـ يدل على أن ما تجده لم يصل لحدّ الشك في الدِّين، وإنما هي وساوس قد تقوى وتشتد، ولكن لم تصل بعد لحدّ الشك في الدِّين ـ والعياذ بالله ـ ولا ريب أن هناك فرقًا بين الشك الذي يخرج صاحبه من المِلّة، وبين الوسوسة، فالوسوسة: هي ما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه دلت كراهته على صريح الإيمان، وأما الشك: فهو نقيض اليقين، وهو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ولا يكون العبد مؤمنًا إذا وقع في مثل هذا الشك، وراجعي في ذلك الفتوى رقم: 129004.

والدليل على أن حصول هذا الكره والخوف من هذه الخواطر والوساوس الشيطانية، علامة على الإيمان، وصحة الاعتقاد: أنه قد جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. رواه مسلم.

قال النووي: معناه: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلًا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك. اهـ.

وراجعي في ذلك الفتويين رقم: 7950، ورقم: 12300.

ولذلك؛ فإننا ننصح الأخت السائلة بالاجتهاد في الإعراض عن هذه الوساوس، وعدم الاسترسال معها، وهذا لا يمنع من عما يشكل في أمور الدِّين، وسلوك سبيل التعلم لحصول اليقين، ومن ذلك عن القراءات العشر، فهي قراءات متواترة، نقلت إلينا جيلًا بعد جيل، وكلها مأخوذة من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يشكل إلا إذا تعارض شيء من هذه القراءات المتعددة، وهذا ـ بحمد الله ـ لم يحصل، بل معانيها كلها متعاضدة ومتكاملة، وكان في تعددها تيسير وتوسيع على الأمة، حيث كانت لهجات قبائل العرب متعددة ومختلفة فيما بينها، فلم يكلفوا القراءة بطريقة أداء واحدة، رفعًا للحرج عنهم، ولاختلاف هذه القراءات حكم باهرة، تجعلها في الحقيقة ـ لمن عرفها ـ أقرب للإعجاز منها للإشكال، وقد ذكرنا شيًئا من ذلك في الفتويين رقم: 21795، ورقم: 335257.

وراجعي للتفصيل في هذا الموضوع الفتاوى التالية أرقامها: 134670، 142771، 299656.

وأما ما ذكرته السائلة عن سؤال الخليل إبراهيم ـ عليه السلام ـ ربه سبحانه ليطمئن قلبه، فليس كما فهمت! فإن هذا لم يكن عن قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وإنما كان عن كيفية ذلك وهيئته؛ لينتقل صاحبه من علم اليقين إلى عين اليقين، فلم يكن هناك شك ولا قريب منه، وإنما هو سؤال زيادة في اليقين، وراجعي في ذلك الفتويين رقم: 14241، ورقم: 258277.

وراجعي للأهمية الفتوى رقم: 117924، وما أحيل عليه فيها.

والله أعلم.