السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب في منتصف الثلاثينيات مِن عمري، متزوِّج منذ سنة ونصف، ولدي طفلٌ، عندما تعرفتُ إلى زوجتي - وأثناء فترة الخطوبة - عرضتُ عليها وضعي المادي والاجتماعي، وأنه على إثْرِ الزواج سنسكن مع والدتي، فقبِلَتْ، ثمَّ قررتُ أن أبنيَ منزلًا فوق منزل والدتي لتكون زوجتي مستقلة.

منذ شهر - تقريبًا - حدثتْ مُشاجرة بين أمي وزوجتي أثناء غيابي، فقالتْ أمي: إن زوجتي اعتَدَتْ عليها بكلام جارح، وأنها مَن بَدَأَتْ الخصام دون مبررٍ، وزوجتي تقول: إن والدتي أهانتها بكلام جارح، فطلبتُ مِن زوجتي أن تذهبَ لمنزل والديها؛ لتغيير الأجواء، وزيارة أمها المريضة، وأنها لن تخبرَ أهلها بما حصل، إلا أنَّ والدتي اتصلتْ بوالدتها بحُسْن نيَّة، وأخبرتْها بما حَدَثَ، وهنا أخبرتْ زوجتي أمها بما حَصَلَ، وصار ما لم أكن أتوقعه يومًا؛ حيث رفضتْ زوجتي العودة إلى المنزل، فاتصلتُ بها أكثر مِن مرة، إلا أنها رَفَضَتْ!

ذَهَبْتُ إليها أكثر مِن مرة، واصطحبتُ والدتي مرتين، إلا أنها رفضت، ثم اشترطتْ أن أشتري لها منزلًا بعيدًا عن المدينة التي أعيش بها بنحو 65 كلم، وأن ننتقل للسكن بمفردنا، إلا أني رَفَضتُ؛ لأن أمي وحيدة، وأنا ابنُها الوحيد، وأنا على قناعةٍ بأنَّ في ذلك نوعًا من العُقوق، وأمي ترفُض أن أتخلَّى عن منزلي الذي تعبتُ في بنائه، وأنه ليس هناك امرأةٌ تفرض شيئًا على زوجها؛ مع العلم بأني كلما هاتفتُها تلفَّظَتْ بعباراتٍ جارحةٍ، وتُصِرُّ على أن تفرضَ عليَّ رأيَها!

أنا أُفَكِّر - الآن - جِديًّا في طلاقها، فانصحوني، جزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فبدايةً - أخي الكريم - لا أقول لك: طَلِّق زوجتك التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حقِّها: «خَيْرُكُم خَيْرُكُم لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُم لِأَهْلِي»، ولا أقول: عُقَّ والدتك التي هي أحقُّ الناس بحُسْن صحابتك؛ كما صحَّ عن الصادقِ المصدوق، والأدلةُ في ذلك لا تخفى على أحدٍ، فإذا كان اللهُ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، مِن أمٍّ وزوجة، فَأَنت مطالبٌ - فقط - بالموازَنة بين أمك وزوجتك، وعند تَعَارُضِ المصلحتين والمفسدتين، أو المصلحة مع المفسدة؛ فقدِّم الأرجح مِن المنفعتين، واترك الأشر مِن المضرتين.

وأعظم المصلحتين - في موضوعك - هو بِرُّك بوالدتك، وعدمُ التَّخَلِّي عنها؛ فضلًا عن الانتقال عنها لمدينةٍ أُخرى؛ فهذا شيءٌ يَجِبُ أن تعلمه زوجتك، بل وكلُّ زوجةٍ يجب أن تَعْلَمَ أن هَذَا الباب مغلقٌ بالنسبة لها أن تَلِجَهُ، وأنا على يقينٍ - وهذا شيءٌ مُجرَّبٌ - أن الزوجة إن يَئِسَتْ مِن زوجها مِن هذا الباب فلن تحاول فيه، إلا تحلة القسم - كما يقال؛ فالنفسُ مَتَى يَئِسَتْ من شيءٍ استراحتْ، بل لا بد لزوجتك أن تعلم أن أَقْصَرَ طُرُقِهَا لقلبك هو مشاطرتُها لك في برِّك بأمك واحترامها لها؛ فهذا قبل أن يكونَ واجبًا شرعيًّا، فهو مِن المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها كِلَا الزوجين.

فَكَرِّرِ المُحاوَلَةَ مع زوجتك عن طريق بعضِ العُقلاء؛ سواءٌ كان قريبًا أو غريبًا، ليخبرها بأنك لا تستطيع التخليَ عن أمك، وفي نفس الوقت أنتَ مُتَمَسِّكٌ بها، وبولدك، إلى غير ذلك من العبارات العاقلة.

فإن أَصَرَّتْ على مَوْقِفِهَا، فَدَعْهَا فترةً لا تَتَّصِل بها، ولا ترسل إليها أحدًا - وإن طالت المدةُ - حتَّى تسعى هي وأهلها إليك، ساعَتَهَا ستستطيع التفاهُمَ معها؛ فبعض النساء لا يصلحهن إلا الإهمال والتغافُل عنهن؛ حتى تعود إلى رشدِها وعقلها، ولكن هذا الدواء يحتاج لحكمةٍ وحرصٍ عند استخدامه.

واستعنْ بالله، ولا تَعْجِزْ، ولا تتعجلْ، وعليك بالصبر والاحتمال، ولا تتعجلْ في مسألة الطلاق، وكن حليمًا، وإلا فالجولةُ ستكون لأكثركم صبرًا وتحمُّلًا، ولا تبتعد عن أُمِّكَ؛ فأنت أَوْلَى الناس بها، فقد تجد زوجةً، أو زوجاتٍ، ولكنك لن تجد أُمًّا غير أمك التي سَهِرَتْ، وَتَعِبَتْ، وحملتك وَهْنًا على وَهْنٍ، ولا يُوجَد عاقلٌ يقبلُ البُعدَ عن والدته إذا كان هو ابنها الوحيد، وكذلك العاقلُ لا يجعل الطلاقَ حلًّا أوليًّا للمشكلات التي تَعْتَرِضُ الحياة، وإنما هو آخِرُ الحُلُولِ.

وفقكَ الله لكل خير، وجمع شملك قريبًا.