تنازل زوجي وإخوته عن حقهم في الميراث، لأخيهم الأكبر مرغمين، للحيلولة دون غضب أمهم، وترتبت علينا ديون على إثر ذلك. راتب زوجي يذهب لسداد الديون، ولا يكفي لإطعامنا وأولادنا. بحثنا عن أحد يسدد ديوننا، ونلتزم معه بشكل شهري ميسر، ولم نجد سوى قرض من جهة تسمح لنا بأخذه بشرط، وهو شراء مواد بناء لترميم منزل، وسنحتاج لتقديم فواتير مزورة، مقابل أخذ هذا المال، وسداد ديوننا، ولم نجد غيره. ضاقت علينا معيشتنا، ولا نعلم ماذا نفعل أو كيف نحلله؛ لأنه لا يوجد غيره، وأصحاب الدين رفضوا الصبر علينا، أو تيسيره علينا؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فنسأل الله أن يكشف كربتكم، وأن يفرج همكم، واعلمي أنه لا يجوز الاحتيال على الجهة المانحة للقرض بتقديم فواتير مزورة وهمية، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 149891.

وإن كان المقصود بالمعاملة المذكورة، تقديم فواتير مكذوبة غير حقيقية إلى جهة المرابحة من أجل الحصول على التمويل، فهو كذلك ممنوع شرعا؛ لما في ذلك من غش لجهة المرابحة، ولما فيه من  الربا، كما سبق أن بينا في الفتوى رقم: 264358.

وأما ما يتعلق بحال الضرورة: فالقاعدة الشرعية أن الضرورات تبيح المحظورات، وضابط الضرورة كما جاء في المنثور للزركشي: فالضرورة: بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعا، أو عريانا لمات، أو تلف منه عضو. وهذا يبيح تناول المحرم.

والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرم. اهـ.
وقال ابن تيمية: وكل ما جوز للحاجة لا للضرورة كتحلي النساء بالذهب والحرير، والتداوي بالذهب والحرير، فإنما أبيح لكمال الانتفاع؛ لا لأجل الضرورة التي تبيح الميتة ونحوها؛ وإنما الحاجة في هذا تكميل الانتفاع؛ فإن المنفعة الناقصة يحصل معها عوز يدعوها إلى كمالها. فهذه هي الحاجة في مثل هذا. وأما الضرورة التي يحصل بعدمها حصول موت، أو مرض، أو العجز عن الواجبات كالضرورة المعتبرة في أكل الميتة، فتلك الضرورة المعتبرة في أكل الميتة لا تعتبر في مثل هذا. اهـ.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: يشترط للأخذ بمقتضى الضرورة ما يلي:

أ - أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة.

ب - ألا يكون لدفع الضرورة وسيلة أخرى، إلا مخالفة الأوامر والنواهي الشرعية.

ج - يجب على المضطر مراعاة قدر الضرورة؛ لأن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، وتفريعا على هذا الأصل، قرر جمهور الفقهاء أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق.

د - يجب على المضطر أن يراعي عند دفع الضرورة مبدأ درء الأفسد فالأفسد، والأرذل فالأرذل، فمن أكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قتل، يلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل؛ لأن صبره على القتل، أقل مفسدة من إقدامه عليه. اهـ. باختصار.

فإن تحققت هذه الضوابط المذكور في حالتكم، فلا حرج عليكم في ارتكاب المحظور لدفع الضرورة، وانظري الفتوى رقم: 237145.

ولا يبعد أن يقال: إن الحاجة -وإن لم تبلغ منزلة الضرورة- تبيح الترخص بمثل هذه المعاملة، وانظري في ضابط الحاجة التي تبيح المحرم الفتوى رقم: 127340.

والله أعلم.