أعلمُ أن ترك تولي الكفار شرطٌ لصحة الإيمان بالله، لقول الله تعالى: ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ـ فما صحة قول من يقول إنه لا يتولى هذا الكافر: فلا يحبه ولا يناصره على المسلمين، لكنه مع ذلك لا يبغضه؟ وهل يمكن أن يحصل هذا عقلا وشرعا؟ وهل موالاة الكفار ومعاداتهم نقيضان، فلا يرتفعان ولا يجتمعان كالإسلام والكفر، أم هما ضدان، فلا يجتمعان، لكن يمكن أن يرتفعا معا كالسواد والبياض، فالشخص لا يمكن أن يكون مسلما وكافرا في نفس الوقت، ولا يمكن أيضا ألا يكون مسلما ولا كافرا، وفي حال الضدين، لا يمكن أن يكون الشيء أسود وأبيض مثلا في نفس الوقت، لكن يمكن ألا يكون أسود ولا يكون أبيض، فيكون أحمر مثلا، فهل يمكن أن يكون مسلمٌ ما لا يتولى كافرا يعرفه، فلا يحبه ولا يناصره على المسلمين، لكنه مع ذلك، لا يعاديه ولا يبغضه؟ وطبعا أنا أتكلم هنا عما إذا كان يعرف هذا الكافر، أما إذا كان يجهله ولم يسمع به، فإنه لا يحبه ولا يبغضه شخصيا، مع بغضه للكفار على العموم. وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالحب والبغض ضدان بالفعل، وليسا نقيضين، فقد يرتفعان معا، ولكن لا يجتمعان من حيثية واحدة في حق شخص واحد، وهذا في الحب والبغض من حيث الإطلاق، لأن أسبابهما قد تتخلف في حق شيءٍ ما، كطعام أو شراب أو لباس ونحو ذلك، فلا يوجد ما يستدعي حبه أو بغضه، وأما الحب في الله والبغض في الله خصوصا، فلا يمكن أن تتخلف أسبابهما جميعا في حق شخص بعينه، لأن الإيمان والكفر ـ اللذين هما سببا الحب والبغض في الله ـ نقيضان، لا يرتفعان ولا يجتمعان في حق شخص واحد في وقت واحد، فالمؤمن يُحَب في الله لإيمانه، والكافر يُبغَض في الله لكفره، وبهذا يعرف الجواب على سؤالك، فلا يمكن لمسلم يحب الله ورسوله محبة تامة أن يعرف كافرا بعينه ثم لا يبغضه في الله تعالى، لكفره وتكذيبه لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ {الممتحنة: 4}.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: من المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم، كما قال تعالى: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ـ والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللائم وعذل العاذل، بل ذلك يغريه بملازمة المحبة. اهـ.

وذكر الحليمي في المنهاج في شعب الإيمان طائفة من آيات الله تعالى في مباعدة الكفار، ثم قال: فدلت هذه الآيات وما في معناها، على أن المسلم لا ينبغي له أن يواد كافرًا ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه، ولا يقاربه ولا يجزيه في الخلطة والصحبة مجرى مسلم منه وإن بعد، ويجتهد في أن لا يكون من قلبه ولحظه ولفظه بالميل إليه نصيب، ويكون عليه أشد منه على قاتل أبيه أو وليه، فإنه إن كان ممن يؤمن بالله ورسوله فبالحري أنه إذا فكر في أنه متكلم في الله عز وجل بما لا يرضاه الله تعالى، ويكذب رسوله ويتكلم فيه بما أجل الله قدره عنه، أن يكون ذلك أشد عليه من أن يناله في نفسه أو في والده، أو في ولده بما يكره، فالله تعالى أولى به من نفسه، ومن أبيه وأمه وولده، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولهذا قال عز اسمه: لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. اهـ.

وقال ابن رشد في البيان والتحصيل: واجب على كل مسلم أن يبغض في الله من يكفر به ويجعل معه إلها غيره ويكذب رسوله صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وقال العز بن عبد السلام الشافعي: جنايته ـ يعني الكافر ـ على أمر نفسه بالكفر أخرته، وأوجبت بغضه. اهـ.

وقال الشيخ ابن باز: والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة، وَهِي تدل دلَالَة صَرِيحَة على وجوب بغض الْكفَّار من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين، وعَلى وجوب معاداتهم حَتَّى يُؤمنُوا بِاللَّه وَحده، وتدل أَيْضا على تَحْرِيم مَوَدَّتهمْ وموالاتهم، وَذَلِكَ يَعْنِي بغضهم والحذر من مكائدهم. اهـ.

هذا؛ مع التنبيه على أن محبة الكافر ومودته ليست نوعا واحدا، ولا على درجة واحدة، وقد سبق أن ذكرنا هذا التفصيل في الفتويين رقم: 149369، ورقم: 117416.

وكذلك ‏إعانة الكفار على المسلمين تكون على وجهين، سبق بيانهما في الفتوى رقم: 268657.

وراجع لمزيد الفائدة الفتويين رقم: 278680، ورقم: 337057.
والله أعلم.