شيخنا بارك الله فيك: سجدت سجدة شكر؛ لقضاء أمر لأحد الزملاء في العمل، وزميلنا هذا نصراني، ونحب عمله؛ لإخلاصه فيه. هل سجودي للشكر لهذا الأمر، فيه شيء؟ وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فالظاهر -والله أعلم- أن ما ذكرت لا يشرع لك سجود الشكر له؛ لأن سجود الشكر إنما يشرع للمسلم عند حدوث نعمة ظاهرة له، أو لعموم المسلمين، أو اندفاع بليَّة ظاهرة عنه، أو عن عموم المسلمين.

قال النووي في المجموع: سُجُودُ الشُّكْرِ سُنَّةٌ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَانْدِفَاعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، سَوَاءٌ خَصَّتْهُ النِّعْمَةُ وَالنِّقْمَةُ، أَوْ عَمَّتْ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.

 وقد بين القائلون بمشروعية سجود الشكر، الأسباب التي يشرع لها، ولم يذكروا منها أنها تشرع لحدوث نعمة للغير، أو قضاء حاجة له، بل قال الحنابلة في قول عندهم إنها لا تكون لنعمة خاصة، وإنما لنعمة عامة.

جاء في الموسوعة الفقهية: وفي قول عند الحنابلة: يسجد لنعمة عامة، ولا يسجد لنعمة خاصة. اهـ.

 وجاء في تحفة المحتاج للهيتمي الشافعي: (وَ) إنَّمَا (تُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ) لَهُ، أَوْ لِنَحْوِ وَلَدِهِ، أَوْ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.

ولم نقف على قول لهم بمشروعيتها عند حدوث نعمة لغير نحو الولد.
ثم إن الحكمة من السجود -كما قال العلماء- هي شكر الله، والخضوع له، ودفع البطر والأشر، عمن حصلت له النعمة.

قال ابن القيم في عدة الصابرين: حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها، وكثيرا ما يجر ذلك إلى الأشر والبطر، والسجود ذل لله، وعبودية وخضوع... وهو لا يحصل لزميلك عند ما تسجد أنت. 

لكن يشرع لك أن تفرح لفرح زميلك، وتهنئه وتحسن إليه؛ فنحن مأمورون أن نعامل جميع الناس بالحسنى، وأن نقول لهم حسناً، كما قال عز وجل: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً {البقرة:83}

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه أحكام أهل الذمة: فصل في تهنئتهم بزوجة، أو ولد، أو قدوم غائب، أو عافية، أو سلامة من مكروه ونحو ذلك.

وثبتت الوصية في شرعنا الحنيف بالجار مطلقاً، وبالصاحب خاصة؛ قال الله تعالى:  وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ {النساء:36}.

ولذلك، فالإحسان إلى زميلك يمكن أن يكون بغير سجود الشكر، وذلك بتهنئته ومواساته، ومساعدته، وحسن معاملته...

والله أعلم.