السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هناك شخصٌ غشني وضرَّني أشدَّ الضرَر، اكتشفتُ ذلك بالأدلة القاطِعة، ولم أخبرْه بما وجدتُه حتى لا يُصيبني ضرَرٌ منه، لكني متأكِّد مِن ذلك بما ظهَر لي مِن أدلَّةٍ.

الآن أنا أدعو عليه بكلِّ ما أستطيع في كل الأوقات؛ كأوقات الصلاة، وأوقات الاستجابة، وفي الليل.

الآن أنا في حيرةٍ من أمري. هل هذه الدعوات آثم عليها؟ وهل سيقتص الله منه ويأخذ حقي؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فهوِّن عليك أيها الأخ الكريم؛ فما وقع عليك مِن ضررٍ شديدٍ إنما هو ابتلاء من الله تعالى؛ فالإنسانُ لا بد أن يُبتلى في هذه الحياة بالأمور التي تَسوءُه مِن المصائب والمِحَن؛ كما قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2، 3]، وقال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].

فلا تبتئس، ولا تحزنْ، واصبرْ محتسبًا الأجر عند الله تعالى، ولا يخفى عليك أن كل ما يقع لنا في هذه الحياة قد قدَّره الله تعالى في الأزل؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ شيءٍ بقدرٍ حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز»؛ رواه مسلم.

وتذكَّرْ أن الشرَّ الذي ألَمَّ بك من ذلك المُخادِع ستجد في طياتِه الخيرَ الكثير بالصبر والرضا؛ فقد وصف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حالَ المؤمن بهذا فقال: «عجبًا لأمر المؤمن؛ إنَّ أمره كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابتْه سرَّاءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضرَّاءُ صَبَرَ، فكان خيرًا له»؛ رواه مسلم، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مع عِظَمِ البلاء، وإن الله إذا أَحَبَّ قومًا ابتلاهم؛ فمَن رَضِيَ فله الرضا، ومن سَخِطَ فله السُّخط»؛ رواه الترمذي، وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن يُرد الله به خيرًا، يُصِبْ منه»؛ أي: يبتليه بالمصائب؛ ليُطهِّرَهُ من الذنوب في الدنيا، فيَلْقَى الله تعالى نقيًّا.

هذا، وسأذكر لك شيئًا مما يحضرني، ومما نبه عليه العلماء من الحكم البالغة الجليلة التي تكون من وراء الابتلاء حتى للأنبياء والصالحين وتعرُّضهم للشدائد؛ فتأمَّل كلام الإمام ابن القيِّم في كتابه "بدائع الفوائد" (2 / 452): "فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم، يبتليهم بما شاء مِن أذى الكفار لهم؛ ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم مَنْ بعدهم مِن أممهم وخلفائهم، إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أُعِدَّ لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعداوتهم، فيعجل تطهير الأرض منهم، فهذا مِن بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم، وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة لا إله غيره، ولا رب سواه".

وقال أيضًا في "إغاثة اللهفان" (2/189-191): "الأصل السابع: أنَّ ما يصيب المؤمن في هذه الدار مِن إدالة عدوه عليه، وغلبته له، وأذاه له في بعض الأحيان - أمرٌ لازم لا بد منه، وهو كالحَرِّ الشديد، والبرد الشديد، والأمراض، والهُمُوم، والغُموم، فهذا أمرٌ لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار، حتى للأطفال والبهائم؛ لما اقتضتْه حكمةُ أحكم الحاكمين، فلو تجرَّد الخير في هذا العالم عن الشر، والنفع عن الضر، واللذة عن الألم، لكان ذلك عالمًا غير هذا، ونشأة أخرى غير هذه النشأة، وكانتْ تفوت الحكمة التي مُزِجَ لأجلها بين الخير والشر، والألم واللذَّة، والنافع والضار، وإنما يكون تخليص هذا من هذا، وتمييزه في دار أخرى غير هذه الدار؛ كما قال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 37].

الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحيانًا فيه حكمةٌ عظيمة، لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل. فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين قاهرين غالبين، لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة، فاقتضتْ حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلِبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له، وتابوا إليه، وإذا غَلَبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.

ومنها: أنهم لو كانوا دائمًا منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول، فإنه إنما ينضاف إلى مَن له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائمًا لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمةُ الإلهيةُ أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد اللهَ ورسولَه، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه.

ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالين عُبودية بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش، والتعب والنصب، وأضدادها، فتلك المِحَن والبلايا شرطٌ في حصول الكمال الإنساني، والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.

ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يُمحصهم، ويُخلصهم، ويُهذبهم؛ كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 139 - 144].

فذكر سبحانه أنواعًا من الحكم التي لأجلها أُديل عليهم الكفار بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أُعطوا من الإيمان، وسلاهم بأنهم إنْ مسَّهم القرح في طاعته وطاعة رسوله؛ فقد مس أعداءهم القرحُ في عداوته وعداوة رسوله، ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولًا بين الناس، فيصيب كلًّا منهم نصيبه منها؛ كالأرزاق والآجال، ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم، وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه، ولكنه أراد أن يَعْلَمَهم موجودين مُشَاهَدين فيعلم إيمانهم واقعًا.

ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالية عنده، ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحصلْ درجة الشهادة التي هي مِن أحب الأشياء إليه، وأنفعها للعبد.

ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين؛ أي: تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه، واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو، وأنه مع ذلك يريد أن يمحقَ الكافرين ببَغْيِهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا.

ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر، وأن حكمته تأبى ذلك، فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائمًا منصورين غالبين لما جاهدهم أحد، ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم.

 

وبتأملك لما ذكرناه لك سيهون عليكَ الأمر جدًّا.

أما دعاؤك على مَن ظلمك فهو مما رخص الله فيه؛ كما قال تعالى:

{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء: 148]؛ قال الحبر ابن عباس رضي الله عنهما: لا يحب الله أن يدعوَ أحدٌ على أحد، إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أرخَص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: {إلَّا مَنْ ظُلِمَ}، وإن صبر فهو خير له"؛ رواه الطبري في تفسيره جامع البيان (9/ 344).

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما أرسله إلى اليمن: «واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجابٌ»، والمعنى تجنب الظلم لئلا يدعو عليك مظلومٌ.

وروى البخاريُّ عن جابر بن سَمُرة لما شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص وفيه: فأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى: أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعونَّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسُمعة، فأطِلْ عمره، وأطِلْ فقره، وعرِّضْه للفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرَّض للجواري في الطرق يغمزهنَّ".

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2/ 241): "وفيه جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه، وليس هو من طلب وقوع المعصية، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته.

وروى مسلم عن عروة بن الزبير، أن أروى بنت أويس، ادعَتْ على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمتْه إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «مَن أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا، طوقه إلى سبع أرضين»، فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتتْ حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها، إذ وقعت في حفرة فماتتْ.

قال النووي في شرحه على مسلم (11/ 50): "وفي حديث سعيد بن زيد رضي الله عنهما منقبة له وقبول دعائه، وجواز الدعاء على الظالم ومستدل أهل الفضل".