السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ في نهاية العشرينيات من عمري، فقدتُ أختي في حادثٍ، وكان عمرها خمس سنوات، وكان عمري ثماني سنوات وقتها، عشتُ معها طفولةً بريئةً وحبًّا وإخاءً، وشاءتْ إرادة الله تعالى أن ترحلَ عن هذه الدنيا في يومٍ لم نكنْ نتوقَّعه؛ حيث قَضَتْ نحبَها بسبب حادث حافلةٍ مدرسيةٍ كانتْ تُقلها من مدرستها إلى المنزل.

كنتُ أشاهد ذلك بعيني، ولا أعرف ما الذي جرى، وما كنتُ أعرف حينها ما هو الموت، وأين ذهبتْ أختي الغالية التي كانت آخر نظرة رأيتها فيها كانتْ صبيحة ذلك اليوم قبل خروجنا من البيت!

فما الذي يمكن أن أفعله إكرامًا لها وتخليدًا لذِكْراها في قلبي؟

وما مَصير الأطفال الذين يموتون في طفولتهم؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فلله ما أخَذ، وله ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجلٍ مُسمى، فلتصبرْ ولتحتسبْ، ثم اسمحْ لي أولاً - أيها الأخ الكريم - أنَّ ما تذكره من مشاعر حزن ما زالتْ حيةً في قلبك بعد واحدٍ وعشرين عامًا - يغلب على الظن أنه مِن نزغات الشيطان ليحزنك؛ فإن من رحمة الله أن خلَق فينا النسيان، ومن رحمته أيضًا أن دوران الأيام يُنسي الآلام؛ وما لجرحٍ بميتٍ إيلام، فجاهِدْ نفسك في ترْك التفكير في فقْدِ أختك الصغيرة منذ تلك الأعوام البعيدة، وذلك مِن الإيمان بالقضاء والقدَر؛ وهو الصبرُ على أقدار الله المؤلمة؛ قال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [القلم: 48]، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35]، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما يصيب المسلم مِن نصبٍ ولا وصبٍ، ولا هَمٍّ ولا حزنٍ، ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه».

ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - لإحدى بناته لما أرسلتْ إليه تدعوه وتخبره أن صبيًّا لها أو ابنًا لها في الموت: «مُرْها؛ فلتصبِرْ ولتحتسبْ»؛ متفق عليه.

فالإنسانُ في هذه الحياة الدنيا بين الضَّراء والسَّرَّاء، وبين الخوف والأمن، وبين الضيق والسَّعَة، وبين الفقر والغنى، وبين الصحة والمرض؛ فيحتاج إلى الصبر، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، ولتجاهِدْ نفسَك - أخي الكريم - على التحلي بالصبر، وستجد العونَ مِن الله؛ لأنه - سبحانه وتعالى - يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

أما ما تسأل عنه من أعمالٍ لأختك الصغيرة، فلا يخفى عليك أنها حين توفيتْ لم تكن بلغتْ سنَّ التكليف، وجماهيرُ العلماء على القطع لأطفال المسلمين بالجنة، ونقَل جماعةٌ الإجماع على كونهم من أهل الجنة قطعًا؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21].

ودلَّت على ذلك الأدلةُ من السنة الصحيحة؛ منها: ما رواه البخاري، عن سَمُرة بن جندبٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الرؤيا الطويل قال: «فانطلقنا، فأتينا على روضةٍ معتمةٍ، فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجلٌ طويلٌ، لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدانٍ رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، ثم قالا في جوابهما له: وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وأما الولدان الذين حوله، فكل مولودٍ مات على الفطرة».

وروى أحمد والحاكم والبيهقي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أولاد المؤمنين في جبلٍ في الجنة، يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (5/536): "وأطفال المسلمين في الجنة إجماعًا". اهـ، وهم يشفعون لآبائهم يوم القيامة في دخول الجنة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم»؛ رواه النسائي وغيره.

قال ابن كثيرٍ - رحمه الله -: "فأما ولدان المؤمنين، فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي، عن الإمام أحمد، أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به؛ إن شاء الله عز وجل". اهـ من "تفسير القرآن العظيم" (3 / 33).

وقال الإمام أحمد - رحمه الله -: "مَن يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟!"، وقال أيضًا: "إنه لا اختلاف فيهم". اهـ، من "حاشية ابن القيم على سنن أبي داود" (7/ 83).

وقال الإمام النووي: "أجمع مَن يعتد به من علماء المسلمين، على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، لأنه ليس مكلفًا". اهـ، من "شرح مسلم" (16 / 207).

وقال القرطبي: "إن قول: إنهم في الجنة، هو قول الأكثر، وقال: وقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم". اهـ، من "التذكرة" (2/328).

والله أسأل أن يرحم موتى المسلمين أجمعين.