المسلم البعيد جدّا عن الله، قلبا وقالبا، والمصاب باليأس والإحباط، هل يمكن لقلب كهذا أن يشعر بالافتقار إلى معبوده ويدعوه؛ لأنّي إذا ما حاولت جلب شعور الافتقار، وكأنّ شيئا ما يقول لي بأنّ الافتقار لا يحقّقه إلا الفطاحل، أنا غارق في المشكلات -والحمد لله- النّفسية الإيمانية وقعت في عظائم باطنة وظاهرة، وعاملت الله معاملة سيئة لا تليق به، وقلبي ضعيف، وأصبحت أنفر من تلاوة القرآن، والتفكر في الآخرة بسبب الهموم والوساوس الّتي أتعبتني، وكانت كلها باسم الدّين، فكأنّني صرت أخاف من العلم والدّين، وأخاف من التشدّد، وأخاف أن أسمع حكما فلا أستطيع تطبيقه؟ وهل لقلب كهذا أن يدخل على الله كما هو؟ أم يجب عليه أن يتطهّر فيدخل؟ أنا عاجز وخائف وضعيف، والعلاج هو اللّجوء إلى الله، فكيف يقال إنّ اللجوء إلى الله لا يمكن إلا بقلب سليم طاهر؟ وكيف يفعل أصحاب القلوب المريضة الضّعيفة؟ أقول في نفسي، حتّى أسلّيها وأقوّيها لا تترك الدّعاء ولو بلسانك فقط، ولا تترك الاستغفار ولو بلسانك فقط، ستموت على الإسلام لكون الكريم خلقتي مسلما، ولا يليق بمقامه الكريم أن يسلبني هذه النّعمة، فهل كل ما قلته صحيح؟.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

فدع عنك الوساوس، واطرح الهموم، وألقها على عتبة مولاك وخالقك تبارك وتعالى، وأقبل عليه مخلصا صادقا، واجتهد في إصلاح قلبك حتى تنال تمام لذة مناجاته والأنس به والافتقار إليه، واشتغالك بالعبادات كالدعاء ونحوه من أعظم وسائل إصلاح القلب، فإياك وترك العبادة والاجتهاد في القرب من الله بزعم أن قلبك غير سليم، فهي حيلة شيطانية وخطة إبليسية، بل هذه العبادات والاجتهاد فيها هو من أعظم سبل إصلاح القلب، واستمر في المجاهدة وثق بأنك ستصل إلى بغيتك من الشعور بالافتقار إلى الله ونيل لذة مناجاته والأنس به سبحانه، فإن هذه اللذات لا تنال إلا بصبر ومصابرة على ما بيناه في الفتوى رقم: 139680.

وكلما كمل حظ القلب من الإيمان والسلامة كمل حظه من الشعور بتلك اللذة، واستشعار هذا الافتقار، وذوق حلاوة الإيمان، وكلما اجتهد العبد في فعل العبادات الظاهرة والباطنة؛ فإنه يكمل حظ قلبه من السلامة، ونيل النصيب الأكبر من الإيمان، فلا تقصر ولا تتوان عن فعل الخيرات، واستحضر دائما قول الله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا {العنكبوت:69}.

وما أتيته من العظائم فتب منه واستغفر، واعلم أن توبتك متى استوفت شروطها فهي مقبولة، وسترجع من ذنوبك كمن لم يرتكب الذنب أصلا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. رواه ابن ماجه.

وأكثر من الدعاء؛ فإنه أعظم أسلحة المؤمن في تحقيق المطلوب، ودفع المرهوب.

نسأل الله أن يمنَّ علينا وعليك بقلوب سليمة.

والله أعلم.