أحيانا نكون عند أقاربنا أو يكونون عندنا، ثم يؤذن ونكون مثلا في منتصف الأكل، فهل أتركهم وأذهب إلى الجامع، وحينها سيقولون لي كل هذا وسنصلي جماعة بعد الأكل، والصلاة في المسجد ليست فرضا، وأنا أريد أن أصبح داعية، وأقول لنفسي إذا تركتهم وذهبت للصلاة أكون قد أظهرت للناس أن الالتزام أمر صعب ولا يقدر عليه كل الناس، وأجلس معهم لأريهم أن الدين يسر، ثم أقول إننا أمرنا أن ندعو الناس بحكمة وهذا ليس من الحكمة، وهكذا أظل أسأل وأجيب نفسي، ولا أصل إلى نتيجة، ولكنني في الغالب أذهب للصلاة، فما هو الضابط في هذا الأمر، إذ إنني أطيل لحيتي أيضا ولا آخذ منها ويقول لي الناس إنني أنفر الناس؟ وما هو الضابط في هذه الأمور؟ ومتى يمكن أن أترخص، حيث إنني إذا ترخصت أرى أن هذا من الخذلان ولا أحبه، وهناك ما يسمى بفقه الواقع... وأتذكر قولا لعبد الله بن مسعود: متى تعلم أنك فتنت إذا ما كان في الأمس حراما أصبح عندك الآن حلالا، فمتى يجب أن ألتزم وأثبت مهما كلف الأمر؟.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فنسأل الله أن يوفقك، وأن ينفع بك، ولا ريب في أن مبنى هذا الدين العظيم ـ في باب الدعوة وفي جميع الأبواب ـ إنما هو على جلب المصالح وتكمليها، ودرء المفاسد وتقليلها، قال ابن تيمية: فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها: ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعا. اهـ.

وقال أيضا: فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي بعثت به الرسل، والمقصود تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح لم يكن مشروعا. اهـ.

لكن الشأن في العلم بمراتب المصالح والمفاسد، والموازنة بين ذلك بميزان الشرع، مع التجرد عن الهوى، لأن بعض الناس يتنصل من الأوامر ويقع في المحذورات بدعوى مراعة المصلحة! وهو في الحقيقية يراعي المصلحة الشخصية، ولا يراعي المصلحة الشرعية، والذي يمكن أن يقال في القضية التي سألت عنها: إنه يشرع الترخص بترك المستحب والأفضل رجاء مصلحة تأليف القلوب، والأمر في هذا واسع، قال ابن تيمية: فالعمل الواحد يكون فعله مستحبا تارة وتركه تارة باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية، والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم، وقال لعائشة: لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه ـ والحديث في الصحيحين، فترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حدثان عهد قريش بالإسلام، لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت المفسدة راجحة على المصلحة. اهـ.

وقال أيضا: ويسوغ أيضا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة خوفا من التنفير عما يصلح، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم، وقال ابن مسعود ـ لما أكمل الصلاة خلف عثمان، وأنكر عليه فقيل له في ذلك- فقال:الخلاف شر، ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول، مراعاة ائتلاف المأمومين أو لتعريفهم السنة وأمثال ذلك. اهـ.

وأما بخصوص صلاة الجماعة في المسجد عند حضور الطعام: فالأمر فيها واسع ـ إن شاء الله ـ فجماهير العلماء على أن صلاة الجماعة غير واجبة في المساجد ـ حتى عند كثير ممن يوجب صلاة الجماعة ـ وانظر الفتويين رقم: 128394، ورقم: 38639.

وأيضا جاء السنة بأن الطعام إذا حضر وأقيمت الصلاة، فإن الطعام يقدم، كما في الفتوى رقم: 74790.

فالجلوس على الطعام مع الأقارب وصلاة الجماعة معهم في البيت مراعاة لهم وتأليفا لقلوبهم أمر حسن له وجهه، وليس بمستنكر.

وأما مسألة اللحية وصلتها بمصلحة الدعوة: فقد تكلمنا عنها بإسهاب في الفتوى رقم: 173715، فراجعها.

والله أعلم.