توفي والدي يوم 6 إبريل 2016, تاركا مبلغا من المال في حساب شهادة وديعة بالبنك, وموعد استحقاقها في شهر نوفمبر من كل عام، وكان والدي يقوم بإخراج زكاة المال في شهر نوفمبر من كل عام, بعد مضي الحول, وبلوغ النصاب لتلك الوديعة, التي كانت تخرج على هيئة فوائد تلك الشهادة، لأن أصل المال دائما ثابت ولا يتغير ولا يؤخذ منه ولا ينقص، لكنه يزيد, وهو يتعدى النصاب بالكثير، وكانت تلك الشهادة مكتوبة رسميا بالبنك باسمي أنا وأختي ووالدتي، وفي حياة والدي عين قبل وفاته وصية منها لنا, فعلمت أخوات والدي بذلك في حياة والدي وتأكيدا بعد وفاته, فتنازلن لي ولأمي ولأختي عن أي حق أو إرث لهن في مال والدي بصفة عامة، وقد اتفقنا ـ أنا ووالدتي وأختي على أن تستمر تلك الأموال التي في البنك كما هي وديعة واحدة كبيرة مجمدة لا تقسم بيننا، بل نقسم فوائدها فقط من الأرباح الممنوحة كل 3 أشهر، فمتى يجب إخراج زكاة الوديعة المجمدة التي في البنك؟ وهل تستمر على نفس النهج في موعدها في شهر نوفمبر من كل عام على اعتبار أن الزكاة تخرج على أصل المال بصرف النظر عن من يملك هذا المال؟ أم تخرج في شهر إبريل من كل عام تاريخ وفاة والدي, علما بأننا لم ولن نقوم بتقسيم تلك الأموال بيننا, وقد تعاهدنا على تركها على حالها مجمدة كما هي؟ وهل يوجد فرق بين موعد إخراج الزكاة إن كانت الأموال على تلك الحالة المجمدة كوديعة بالبنك أو قسمت بين الثلاثة المذكورين بالتساوي، وأصبح لكل واحد منهم ماله الخاص في حساب جديد خاص تبدأ من هذا التاريخ احتساب الحول والنصاب؟ وأنا أحد مالكي هذا المال, وعلي دين يجب أن يسدد خلال هذا الشهر, فهل أبدأ بإخراج الزكاة أم بقضاء الدين؟ وهل يمكن اعتباري أحد الغارمين الذين عليهم دين للسداد باستخدم مال الزكاة لتلك الوديعة في سداد الدين الخاص بي؟. ولكم جزيل الشكر.

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فجوابنا على سؤالك يتلخص فيما يلي:
أولا: سبق أن بينا في عدة فتاوى سابقة أن الوديعة البنكية المضمونة التي توضع في بنك ربوي مقابل ربح هذه لا يجوز إيداعها، لكونها قرضًا ربويًّا، ويجب سحب تلك الوديعة، والتخلص من كل الربح العائد منها بإنفاقه في وجوه الخير، وأما إن كانت وديعة استثمارية في بنك إسلامي يتعامل وفق الشريعة الإسلامية: فإنه لا حرج في إيداعها، وتجب الزكاة في أصلها وربحها، وأن الفرق بين هذه وتلك المحرمة أن التي توضع في البنك الإسلامي يضارب بها البنك في أنشطة تجارية مباحة، وله نسبة من الربح، ولصاحب الوديعة نسبة من الربح متفق عليها، وأما التي توضع في البنك الربوي: فإنها قرض من العميل للبنك.
ثانيا: إن كانت تلك الوديعة في الأصل ملكا لوالدكم، فهي حق لكل الورثة بعد وفاته، وإن كان والدكم أوصى قبل وفاته بأن تكون لزوجته أو بناته، فإن هذه الوصية لا عبرة بها، ولا تصير واجبة النفاذ، لأنها وصية لوارث، والوصية للوارث ممنوعة شرعا، ولا تمضي إلا إذا رضي بقية الورثة بإمضائها على ما فصلناه في الفتويين رقم: 121878، ورقم 170967.
ثالثا: وإذا كان بعض الورثة قد رضي في حياة والدكم بإمضاء وصيته، فإنه غير ملزم بعد وفاته بذلك التنازل، لأنه تنازل في ذلك الوقت عن حق لا يملكه، فله بعد وفاة المورث أن يطالب بحقه في تلك الوديعة، قال ابن قدامة في المغني: وَلَا يُعْتَبَرُ الرَّدُّ وَالْإِجَازَةُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَلَوْ أَجَازُوا قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَدُّوا، أَوْ أَذِنُوا لِمَوْرُوثِهِمْ فِي حَيَاتِهِ بِالْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ بِالْوَصِيَّةِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فَرَدُّوا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَهُمْ الرَّدُّ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَازَةُ فِي صِحَّةِ الْمُوصِي أَوْ مَرَضِهِ.. اهـ.

رابعا: سواء كانت الوديعة من النوع المحرم أو من النوع الجائز، فإنه تجب الزكاة فيها مادامت بالغة النصاب وحال عليها الحول، وأما حول زكاتها فقد بيناه في الفتوى رقم: 226666 بعنوان: أحكام زكاة الوديعة الموروثة التي تُستحَق بعد فترة، وقد بينا فيها شروط الزكاة في تلك الوديعة وما فيها يغني عن الإعادة هنا.

وليس بالضرورة أن يتفق حول زكاة كل الورثة في تلك الوديعة، بل قد تجب الزكاة في نصيب وارث من تلك الوديعة، لأن نصيبه يبلغ نصابا بنفسه أو بما لديه من أموال أخرى ولا تجب في نصيب وارث آخر، لأن نصيبه لا يبلغ نصابا لا بنفسه ولا بما لديه من أموال أخرى.

خامسا: بالنسبة لأرباح الوديعة إن كانت الوديعة من النوع المباح، فإن الربح يُزكى مع أصل المال فيخرج من الكل ربع العشر ـ أي 2.5%  ـ جاء في قرار مجمع الفقة الإسلامي في دورته 16: تجب الزكاة في أرصدة الحسابات الاستثمارية وفي أرباحها على أصحاب هذه الحسابات إذا تحققت فيها شروط الزكاة، سواء كانت طويلة الأجل أم قصيرة الأجل ولو لم يقع السحب من أرصدتها بتقييد من جهة الاستثمار أو بتقييد من صاحب الحساب. اهـ.

وإن كانت الوديعة من النوع المحرم، فإن الربح لا يُزكَّى، بل يُتَخَلَّص منه بإنفاقه في وجوه الخير.

سادسا: العبرة في تحديد شهر الزكاة بالأشهر القمرية وليس بالأشهر الميلادية, لقول الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج {البقرة: 189}.

قال السعدي رحمه الله تعالى: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ ـ أي: جعلها الله تعالى بلطفه ورحمته على هذا التدبير يبدو الهلال ضعيفا في أول الشهر، ثم يتزايد إلى نصفه، ثم يشرع في النقص إلى كماله، وهكذا، ليعرف الناس بذلك مواقيت عباداتهم من الصيام، وأوقات الزكاة، والكفارات، وأوقات الحج. اهـ.

سابعا: بالنسبة لسؤالك عن الغارمين من هم سبق بيان صفة الغارم الذي يستحق الزكاة في الفتوى رقم: 214174، فانظريها.

ثامنا: بالنسبة للدين الذي عليك، إن كان لديك مال وجبت فيه الزكاة، وفي ذات الوقت كان عليك دين؛ فإنه يُنظر في ذلك الدين، فإن كنت تملكين أموالا أخرى ـ غير المال الذي وجبت فيه الزكاة ـ زائدة عن حاجتك يمكن أن تجعليها في مقابلة ذلك الدين، فإنه يلزمك أن تزكي كل المال الذي وجبت فيه الزكاة، ولا تخصم منه قيمة الدين، وإن لم يكن لك أموال أخرى زائدة عن حاجتك، فاخصمي قيمة الدين الذي عليك من المال الذي وجبت فيه الزكاة، ثم زَكِّي ما بقي إن لم يقل عن النصاب.

والله أعلم.