السؤال:

أنا سيدة أعمل عضوة في مُؤسسة خيرية منذ ثلاث سنوات، وقد عُقِد اجتماعٌ لاختيار مديرة للمؤسسة، وللأسف لم يرشحْني أحدٌ، فحزنتُ على ذلك، وطلبتُ مِن العضوات ترشيحي لمنصب المديرة، فوافقنَ!

ولا أعلم لِمَ لَمْ يُرشحنني لهذا المنصب، مع أني قدمتُ كثيرًا مِن الأفكار والمشاريع المفيدة للمُؤَسَّسة، وبشهادة الجميع فأنا جديرة بالمنصب؟!

المشكلة الآن بعد أن أصبحتُ مديرةً، لم يعدْ لديَّ حماسٌ للعمل في المؤسسة، كما أنَّ العُضوات لا يلْجَأْنَ إليَّ، بل للمديرة السابقة.

والآن أريد ترْك هذا المنصب؛ لأني حصلت عليه بطريقةٍ أرى فيها عدم الإعانة مِن الله، والنبي قال فيما معناه: «مَن طلب الولاية فلا تولوه»، كما أنني أخشى أن يكونَ هناك مَن هو أولى مني بهذا المنصب.

فهل أستمر وأصبر وأحسّن مِن أدائي؟ أو أتنازل عن المنصب لغيري؟

أفيدوني جزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فالذي يظهَر أن محلَّ هذا السؤال قد فات وقتُه الآن، بعدما قُضِيَ الأمرُ، وتمَّ اختيارك فعلاً للعمل، ويظهر مِن كلامك أنَّ زميلاتك حريصات على اعتبار الكَفاءة في الاختيار، ومِن ثَم اخترْنَك لذلك المنصب عن استحقاقٍ، ولكونك صاحبة فكر ومشاريع جيدة، وإلا لكنَّ متهمات في عدالتهنَّ.

وقد ذكرتِ تقديمك لأفكارٍ ومشاريعَ مفيدة للمؤسسة بشهادة الجميع، فالظاهرُ أن هذا ما دفعهنَّ لاختيارك، فاستعيني بالله، ولا تعجزي، وأدِّي الأمانة التي أُنِيطَتْ بك، ودعي عنك نزَغات الشيطان التي تُثبطك عن العمل.

أما حديث أبي ذرٍّ أنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يوم القيامة خِزْيٌ وندامةٌ، إلا مَن أَخَذَها بحقِّها، وأدى الذي عليه فيها».

فقد نصَّ أهلُ العلم على أنَّ الحديثَ في طلَب الإمارة، وليس في الوظائف الإدارية، كما قال النووي في شرحه على مسلم (12/ 210): "هذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعفٌ عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأما الخِزْيُ والندامةُ فهو في حق مَن لم يكن أهلاً لها، أو كان أهلاً ولم يعدلْ فيها، فيخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويَفْضَحُه ويندم على ما فرَّط، وأما مَن كان أهلًا للولاية وعدل فيها، فله فضلٌ عظيمٌ تظاهرتْ به الأحاديثُ الصحيحةُ".

وتذكَّري دائمًا أيتها الأخت الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قد أمَر بأداء الأمانة، وحذَّر مِن خيانتها؛ فقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].

وهذه الآيةُ عامةٌ تَشْمَل كلَّ الأمانات؛ كما نقل القرطبيُّ ذلك عن جماعةٍ مِن الصحابة؛ كالبراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم قالوا: الأمانة في كل شيءٍ؛ في الوضوء، والصلاة، والزكاة، والجنابة، والصوم، والكيل، والوزن، والودائع، ووصف سبحانه عباده المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8].

على كلِّ مسؤولٍ اسْتَخْلَفَهُ الله في مكانٍ، واسترعاه إياه، أن يعلمَ أنه مُؤْتَمَنٌ عليه، وأنَّ واجبه حِفْظُ الحقوق، ودفْعُ المظالم، وأداء الأمانة في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، مما يدخل تحت إدارته ومسؤوليته، وحق عليه أيضًا أن يعاملَ أهل المكان مِنَ الموَظّفين والعمال بما يرضي الله، وفي صحيح البخاري عن ابن عُمر - رضي الله عنهما - قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ، وكلكم مَسؤول عن رعيته».

أمرٌ أخير: على فرض أنك - عافك الله - طلبت الوظيفة حبًّا في الظهور أو العلو في الأرض، وحرصًا على التصدر والشرف وعلو المنزلة، فأنت تعلمين أن هذا أمر مفسدٌ للدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حِرص المرء على المال والشرَف لدينه»؛ أخرجه الترمذيُّ، وصحَّحه الألبانيُّ - أقول: فعلى فرْض هذا، فإنه ليس نهاية الأمر؛ فأمامك باب التوبة مفتوحٌ على مِصْراعيه، فجدِّدي النيةَ الصالحةَ لنفْع الناس، وأنتِ والحمد لله مُؤَهَّلة للأمر، ومُرَشَّحة ومِن النساء العاقلات، ودَعِي عنك نزَغات الشيطان وتثْبيط النفس اللَّوَّامة.

وفقك الله لكلِّ خيرٍ.