السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ في منتصف العشرينيات مِن عمري، كنتُ أدْخُل مواقع التواصل الاجتماعي، وأتحدث إلى الفتيات، وكثيرًا ما كنتُ أجرُّ الفتاةَ في الحديث حتى أوقعها في الحبِّ، وأتكلم معها في الجنس!

قررتُ التوبة مِن هذه الأفعال، والحمد لله حذفتُ كل الفتيات التي كنتُ أكلمهن، لكن المشكلة أني وجدتُ الفتيات يتمادينَ في الحديث مع شباب آخرين؛ حتى إن إحداهنَّ كانتْ محترمةً جدًّا، وجررتُها للحديث في الجنس، ولما حذفتُها وجدتُها تُضيف الشباب وتتكلَّم معهم في الجنس، وتدخل على الصفحات الجنسيَّة!

حاولتُ تحذيرها مرارًا، لكن للأسف لم تسمعْ لي، وأنا السببُ فيما وصلتْ إليه، وأخشى على الفتيات اللاتي كلمتهنَّ مِن الضياع!

فكيف أصلح أخطائي؟ وكيف أتوب مما فعلتُ بهنَّ؟ وماذا أفعل تجاه الفتيات ليَعُدْنَ عما سِرْنَ فيه من الطريق الحرام؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعدُ:

فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله تعالى أن يُثبتك على طريق التوبة، وأن يُعينك على القيام بما يجب عليك مِن دعوى إلى الحقِّ، ونهيٍ عن المنكر، وأن يهدي عُصاة المسلمين.

فاحمد الله كثيرًا أنْ وفَّقك للتوبة والبُعد عن ذلك الطريق المظلم، ولْتَحْذَرْ رعاك الله مِن العودة إليه مرة أخرى بالحوم حول حمى المعاصي.

وسأقدِّم لك بعض النقاط المهمة التي آمل أن تُعينك في هذا الأمر:

أولًا: أَقْبِلْ أيها الابن الكريم على عبادتك، وحافِظْ على أداء فرائضك، واجتهدْ في أداء النوافل وأعمال الخير، وأَكْثِرْ مِن الدعاء لأولئك الفتيات بالهداية والتوبة، وحاوِلْ أنْ تراسلهنَّ، ولكن على حذرٍ، وقدِّم لهنَّ النصحَ، وادعهنَّ إلى الله تعالى، وحاوِرْهُنَّ بالحكمة والمعقول، فأنت قد دخلت هذا الطريق قبلهنَّ، وخبرتَ ما فيه مِن ضياعٍ للدين والدنيا معًا، ومِن ثم تركته بفضل الله وتوفيقه، فذلك أَدْعَى لقَبُول قولك عن قول مَن لم يُجَرِّبْ، والاستجابة لدعوتك بالالتزام بالشرع والبُعد عن الانحراف، ويَحْسُنُ بك أن تستعينَ أيضًا بمَنْ ترجو فيه الخير، أو تراسل مَن يحسن الدعوة ليأخذ بأيديهنَّ.

ثانيًا: تحدَّثْ إليهنَّ عن قُبْحِ وشناعة وحُرمة ما يقُمْنَ به، وأن العقلَ الصريحَ والشرعَ الحنيفَ والفِطَر السليمة قد اتفقوا على قُبْح تلك الفِعال، وأنها جالبه للخِزْيِ والعار في الدنيا والآخرة، وأنها مُقَدِّمات أكيدة للوقوع في الزنا، والواقعُ خيرُ شاهدٍ بذلك، وكما قال الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، والنهيُ عن قربانه أبلغُ مِن النهي عن مجرد فعلِه؛ لأن ذلك يشمل النهيَ عن جميع مُقدِّماته ودواعيه، فإنَّ «مَن حام حول الحمى يوشك أن يقعَ فيه»، خصوصا هذا الأمر الذي في كثيرٍ مِن النفوس أقوى داعٍ إليه.

وَوَصَفَ الله الزنا وقبَّحَهُ بأنه {كَانَ فَاحِشَةً}؛ أي: إثمًا يُستفْحَشُ في الشرع والعقل والفِطَر؛ لتضمنه التجري على الحُرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب، وغير ذلك مِن المفاسد.

وقوله: {وَسَاءَ سَبِيلاًأي: بِئْسَ السبيلُ سبيلُ مَن تجرَّأ على هذا الذنب العظيم؛ قاله السعدي في تفسيره (1/457).

ثالثًا: ذكِّرْهُنَّ بالآثار السيئة المترتبة على فعلهنَّ، وأنه يُهَدِّد استقرار الأسر، وتمتدُّ آثاره إلى المجتمع بالانحلال، وتنتشر فيها الإباحيةُ في أسوأ صُوَرِها؛ مما يُنذر بمستقبل مُظْلِمٍ.

رابعًا: تلك العلاقات سرعان ما تنْكَشِفُ وتُعْرَفُ بها الفتاةُ، فالله تعالى يَسْتُرُ عبده فترة من الزمان، فإذا تمادى فَضَحَهُ الله بين الناس، وهذا بلا شك يُؤَثِّر سلبًا على مستقبل الفتاة وحظِّها في الزواج، فالشابُّ مهما كان منحرفًا لا يَقْبَلُ الارتباطَ بفتاةٍ مِن تلك النوعية.

خامسًا: من مقاصد الشريعة الإسلامية الغَرَّاء العملُ على تجفيف منابع الفساد، فحرَّم الله كل الطرُق الموصلة للحرام، وما تفضي إليه، وإن كانتْ في نفسها مباحةً، وهذَّب النفوس وأرشدها للوسائل التي تحفظها سَوِيَّةً معتدلةً وفق حدودٍ حدَّها، وشرائعَ بيَّنَها، فأمَرَ بغَضِّ البصر، وحِفْظ الفَرْج، وعدم خضوع الفتاة بالقول، وحرَّم الاختلاط والخلوة بالأجنبية، وجعل كل ذلك نوعًا مِن الزنا، كما في الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مُدْرِكٌ ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظَر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجْل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويُصدق ذلك الفَرْجُ ويُكَذِّبه».

سادسًا: حذِّرْهُنَّ مِن أن الاسترسالَ في هذا الطريق سيؤول بهنَّ لانفلات زمام الشهوة، فتسرح بهنَّ في كل وادٍ، فطيشُ الغرائز وجنون الشهوة إن لم يُلْجَمْ أَوْجَبَ على صاحبه أن يُشبعه بالحرام، فتلك الفتنةُ لا ساحل لها، ولا تقف النفس عند حدٍّ فيها، فكلما أخذتْ منها شيئًا طلبت المزيد وهكذا، ولا يقمعها عن غيِّها إلا خوف الله ومراقبته، ومَن لم يَرْعَوِ انتكستْ فطرته، وطال همُّه وغمُّه، وحجب قلبه عن الله، وحبس عن السير إليه.

سابعًا: الطريقُ إلى الله إنما هو ذهابٌ وتقدُّم، أو رجوعٌ وتأخرٌ؛ كما قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37] ولا وقوفَ فيه، وإضاعةُ الوقت الصحيح يدعو إلى درْك النقيصة؛ إذ صاحبُ حفظه مترقٍّ على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقفْ موضعه، بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدُّم فهو متأخِّرٌ ولا بد، فالعبدُ سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، إما إلى أمام، وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوفٌ ألبتة، فما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخِّر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء...؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمَن لم يتقدَّمْ إلى هذه بالأعمال الصالحة، فهو متأخِّر إلى تلك بالأعمال السيئة؛ قاله ابن القيِّم في المدارج.

ثامنًا: على العاقل أن يستغلَّ عمره فيما يعود عليه نفْعُه في الدنيا والآخرة، ويحذر مِن إضاعته في الحرام؛ فالله سبحانه سائِلُه عما أفنى فيه وقته؛ كما في الحديث الصحيح: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسْأَلَ عن عُمُره فيم أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنْفَقَهُ، وعن جسمه فيمَ أبلاه»؛ رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.

تاسعًا: الفتاةُ المسلمةُ الحقيقيةُ تُجاهد نفسها في ذات الله، في ترْك المُحَرَّمات والتزوُّد مِن الأعمال، فذاك الذي ينفعها غدًا، وعز النفس ورفعتها في الدنيا والآخرة في مجاهدتها؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، كما لا يليق بالمسلمة أن تتشبه بمن قال الله تعالى فيهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد: 12]، وقال تعالى مُهَدِّدًا مُتَوَعِّدًا: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3]، وقال: {وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 66] وقال: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [الزخرف: 83] وقال: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء:205- 207].

عاشرًا: ابذُلْ وُسعك في غرْسِ تلك المعاني في نفوسهنَّ مِن التقوى والخوف من الله ومُراقبته، وأنه سيُحاسبنا على الصغير والكبير، وأن الله أمرنا بحفظ فرجنا وبصرنا وجوارحنا عن الحرام والانحراف، وسنسأل عن جوارحنا؛ {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36]، والإنسانُ لن يشعرَ بالسعادة الحقيقية إلا بطاعة الله تعالى، وامتلاء قلوبنا وعقولنا وجوارحنا بحب الخير، والدعوة إليه ونشره، وحمل الناس عليه.

إذا فعلتَ هذا فقد أدَّيْتَ ما عليك، وبذلتَ ما في وُسْعِكَ تكفيرًا عما فعلته ثم الأمر كله لله؛ {إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154]، وكن حذرًا على نفسك، إنْ آنستَ فتنةً ففرَّ ولا تقفْ.

حادي عشر: الربُّ سبحانه إذا علم مِن محلٍّ أهليةً لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده، حبَّب إليه ذلك، ووضعه فيه، وكتبه في قلبه، ووفقه له وأعانه عليه، ويسَّر له طرقه، وأغلق دونه الأبواب التي تَحُول بينه وبين ذلك، ثم تولاه بلُطْفِه وتدبيره وتيسيره وتربيته أحسن من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه، فلا يزال يُعامله بلُطفه، ويختصه بفضله، ويؤثره برحمته، ويمده بمعونته، ويؤيده بتوفيقه، ويريه مواقع إحسانه إليه، وبره به، فيزداد العبد به معرفةً، وله محبةً، وإليه إنابةً، وعليه توكلًا، ولا يتولى معه غيره، ولا يعبد معه سواه.

وهذا هو الذي عرف قدر النعمة، وعرف المنعم، وأقر بنعمته، وصرفها في مرضاته، واقتضتْ حكمة الرب وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب بذرة الإيمان والمعرفة، وسقاه ماء العلم النافع، والعمل الصالح، وأطلع عليه من نوره شمس الهداية، وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة، فأنبتتْ أرضه الزاكية من كل زوج كريم؛ قاله ابن القيم في طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 98).

وراجع على موقعنا الاستشارات الآتية:

كيف أشعر بالتوبة؟

كيفية التوبة

ظلمتُ فتاة وأريد أن أتوب!

كيف أتورع عن معصية الله؟!