إذا اغتصب اللصوص دارا ملكا لصاحبها .. وتنازعوا معه أمام القضاء ... واحتاج إلى شهادة الشهود ... ولكن الجيران امتنعوا عن الشهادة خوفا من بطش هؤلاء المعتدين ونفوذهم ... فهل له أن يستأجر شهودا - من باب الضرورة - لإثبات حقه، حتى لو لم يكن الشهود يعلمون شيئا عن الحقيقة ؟ وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا يخفى أنه يشرع لكل إنسان أن يسعى لاستخلاص حقه الثابت، ولكن هذا السعي لا بد أن يكون بوسيلة مشروعة، وليس من المشروع إقامة شاهدي زور يشهدون بما لا يعلمون ! وإلا فمن المتيسر للصوص أيضا ونحوهم إقامة مثل هؤلاء الشهود. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (كما في الفتاوى الكبرى): أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل، لكن يكون الطريق في نفسه محرما، مثل أن يكون له على رجل حق مجحود فيقيم شاهدين لا يعلمانه فيشهدان به، فهذا محرم عظيم عند الله قبيح، لأن ذينك الرجلين شهدا بالزور حيث شهدا بما لا يعلمانه، وهو حَمَلَهما على ذلك، وكذلك لو كان له عند رجل دين وله عنده وديعة فجحد الوديعة وحلف ما أودعني شيئا ... فهذا حرام كله، لأنها إنما يتوصل إليه بكذب منه أو من غيره، لا سيما إن حلف. والكذب حرام كله. وهذا قد يدخل فيه بعض من يفتي بالحيلة لكن الفقهاء منهم لا يحلونه. اهـ.
وقال أيضا: الغلول والخيانة حرام مطلقا، وإن قصد به التوصل إلى حقه، كما أن شهادة الزور والكذب حرام، وإن قصد به التوصل إلى حقه، ولهذا قال بشير بن الخصاصية قلت: يا رسول الله، إن لنا جيرانا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه، فقال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" ... اهـ.
وقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان): القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل، لكن تكون الطريق إلى حصول ذلك محرمة. مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده، فيقيم شاهدين لا يعرفان غريمه ولم يرياه، يشهدان له بما ادعاه. فهذا محرم أيضا، وهو عند الله تعالى عظيم، لأن الشاهدين يشهدان بالزور، وشهادة الزور من الكبائر. وقد حملهما على ذلك. اهـ.

 والله أعلم.