أعمل مديرًا لأحد الأقسام الهندسية في المكتب الرئيس لشركة مقاولات في دولة قطر، وبحكم طبيعة عملي، فأنا أقوم بالمرور على المشاريع من وقت لآخر للمتابعة، والاجتماعات الدورية، وفي الآونة الأخيرة، ونظرًا لانكماش الاقتصاد، وقلة المشروعات المعروضة في الدولة, لم تحصل الشركة على مشروعات جديدة لأكثر من عام ونصف، ومن ثم؛ فقد أصبح معظم دوامي - كحال باقي الموظفين - دون عمل يذكر، ولا يوجد شيء يمكن إنجازه على الإطلاق طوال اليوم، وفي بعض الأحيان وبعد إنهاء زيارتي الدورية للمشاريع أقوم بالعودة للمكتب الرئيس حتى نهاية الدوام الرسمي، ولكن دون إنجاز أي شيء يذكر؛ لعدم وجود عمل يؤدى أصلًا، وفي أحيان أخرى أعود مباشرة للمنزل مبكرًا نتيجة لذلك، كما أن وجودي أو عدم وجودي في المكتب الرئيس ليس له تأثير على الإطلاق، ولا يعطل أو يؤخر شيئًا، فما حكم كسبي - مع الأخذ في الاعتبار الوضع المذكور سابقًا- في حالة عودتي مباشرة للمنزل، دون إكمال عدد ساعات الدوام الرسمية، وفي حال قضاء معظم الوقت في مقر الشركة دون عمل أو مهمة مطلوب تأديتها؟ وقد قرأت على موقعكم الكريم بعض الفتاوى المشابهة التي تنصح برد ما يقابل أو يغلب على الظن من الراتب إلى جهة العمل عن الأوقات التي لم يداوم فيها، فإذا كانت فتواكم للوضع في حالتي -كما ذكر سابقًا- غير جائز، فكيف يمكنني التكفير عن هذا؟ علمًا أن رد هذه الأموال أمر غير قابل للتطبيق في الشركة، وكنت أسعى لقضاء ساعات إضافية للتعويض كحل آخر، ولكن كما ذكرت سابقًا لا يوجد عمل أصلًا للقيام به، علمًا أن طبيعة عملي تمكنني من متابعة أو إنجاز أي عمل بالهاتف، أو الحاسوب من المنزل، أو أثناء وجودي خارج البلاد عن طريق الشبكة العنكبوتية، وهذا ما أقوم به أحيانًا في العطلات الأسبوعية، أو الرسمية، أو حتى ليلًا خارج ساعات العمل المقررة، وجزاكم الله خيرًا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فالواجب عليك الالتزام بوقت الدوام الرسمي، والحضور إلى محل العمل، وأداء ما يوكل إليك على الوجه المطلوب، ولولم يسند إليك عمل، فليس لك ترك محل العمل ما لم يؤذن لك في ذلك ممن هو مخول في الإذن، وكونك تتابع العمل بوسائل الاتصال، فهذا لا يبيح لك ترك محل العمل إلا بإذن، كما سبق.

وأما سؤلك حول الراتب إذا لم يوجد عمل، فالجواب أنه لا حرج عليك في الانتفاع بما تتقاضاه من راتب مقابل ساعات العمل التي لم تعمل فيها، إذا مكنت المستأجر من منافعك؛ لأن الأجرة تثبت بالتمكين، والعامل لدى الدولة، أو الشركات ونحوها يعتبر أجيرًا خاصًّا، والأجير الخاص إذا سلّم نفسه للمستأجر، ولم يمتنع عن العمل استحق الأجرة كاملة؛ سواء وُجد عمل أم لم يوجد، قال الزيلعي الحنفي في تبيين الحقائق: الخاص يستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة، وإن لم يعمل. انتهى.

وجاء في الموسوعة الفقهية: ... وإذا استوفى المستأجر المنافع، أو مضت المدة، ولا حاجز له عن الانتفاع، استقر الأجر؛ لأنه قبض المعقود عليه، فاستقر البدل. اهـ.

وأما الساعات التي لم تحضر فيها دون إذن فلا تستحق راتبها ما لم تبرئك جهة عملك، فلو طلبت التحلل ممن هو مخول بذلك، وأبرأك، فإنك تبرأ من ذلك الحق.

وأما لو لم يبرئك منه فلا بد من رد ما يقابل تلك الساعات إلى جهة العمل، ولو بطرق غير مباشرة، وفق ما بيناه في الفتوى رقم: 66147.

والله أعلم.