يا علماء استمعوا إلى أخيكم الضّعيف. لقد مرت بي مدّة صعبة جدّا، ضعفت فيها ضعفا شديدا، والحمد لله، وكل هذا بسبب الذّنوب (خصوصا المواقع الإباحية)، مرّت بي الأفكار التّالية: 1- بدأ بقوله: لا تنظر إلى زوجة خالك الكبيرة الكاشفة لشعرها أمامي، وهي عادة متجذّرة سيئة في عائلتنا. 2- كذلك لا تنظر إليها إذا كانت مختمرة، وما تحت ذقنها مكشوف. 3- تكلّم النّاس بالعربية الفصحى، حتّى مع الجاهلين غير المثقفين. 4- عندما تدخل السّوق، أو تركب الحافلة تقوم خطيبا على النّاس لدعوتهم، أو الإنكار عليهم. 5- في أيام التّشريق تمشي وتكبّر بصوت مرتفع جدّا، وتطلّ من النّافذة، وتكبّر بصوت مرتفع جدًّا كذلك. 6- تغض بصرك عن أمّك (هههه) إذا كانت تلبس جبّة، أو أي شيء وهي كاشفة لشيء من أعلى ظهرها. بماذا تتّصف هذه الأفكار؟ 1- كلّها محرجة بالنّسبة لي إحراجا شديدا. 2- كلّها جديدة عليّ، وعلى من حولي، لم نعتد عليها، وتحتاج إلى بداية قوّية. 3- كلّها فرعيات تأتي بعد الأهم، وهو معرفة الله، وتزكية النّفس. عندما لم أستطع بدءها وفعلها، أشعرني بأني حقير لا أساوي بعرة، ولا قيمة عندي، وأنّني لا أصلح للعلم وخدمة الدّين. يعني إمّا أن تطبّقها كلّها، أو أنت بعرة تساوي صفرا، ولو صلّيت في المسجد، ولو كنت متفوّقا في دراستك. انشغالي بهذه الأفكار المفقودة، جعلني أفقد شيئا فشيئا الموجودة الّتي عندي (مميّزاتي الّتي وهبنيها ربّي). فقررت البرنامج التّالي للخروج من هذه الأزمة: 1- ما كان من هذه الأفكار حتما شرعا عن طريق القطع لا الظّن، فعلته ولو غضب جميع أهل الأرض (كغض البصر عن زوجة خالي عندما تكون كاشفة لشعر رأسها) 2- ما لم يكن واجبا شرعيا، وكان فيه حرج وثقل عليّ أنا سواء بسبب ضعفي أنا، أو بسبب مشقة الفعل في نفسه، فلا ألتفت إليه مطلقا متقرّبا بذلك إلى ربّي كالحديث بالفصحى. 3- ما أمكن إخراجه مخرج التّيسير ورفع الحرج بفتوى عالم، فعلته كقوله: (لا تنظر إلى زوجة خالك وهي كاشفة لما تحت ذقنها) فهذا وإن كان صوابا من حيث الدّليل، إلاّ انّه يمكن تسهيله بالاستحسان، وإلحاق ذلك الجزء اليسير بالوجه (على اعتقادي بجواز النّظر إلى الوجه) رفعا للحرج. 4- ما كان من مسائل الخلاف الفقهي، يعني غالبا مبناها على الظّن، وعلمت الخلاف من عالم معروف، اتّبعت الأيسر عند وجود الحرج فقط (ركّزوا الحرج فقط) ولو اعتقدت خطأ القول ومرجوحتيه. 5- اتّباع سياسة التّدرج فيما لي فيه سعة، فسبحان الله مثلا في الفصحى الأمر يحتاج إلى تدرج، فلهجتنا ولهجتي فيها من الفرنسية وغيرها، وهذا في باب الأعراف والعادات، والنّاس يستغربون مثل هذا، ويعلّقون تعليقات ساخرة، والله المستعان، في الدّعوة والقيام على النّاس خطيبا في المجامع، يحتاج إلى تدرج حتّى بالنّسبة لي ولمن حولي، حتّى أطلب العلم وأزّكي نفسي، فأقوم على النّاس في المجامع، وهذا لا يعني تركي للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مطلقا، بل حسب استطاعتي ومرحلتي، حجاب زوجات أخوالي، فإذا لبسن الخمار وغطّين العورة يكفي، ولو كان في ملابسهن شيء من النّقص؛ لأنّ هذا يأتي بعد الدّعوة، ولأنّهن اعتدن الكشف أمام الأجانب المألوفين، بل و الله خالتي تستحي سبحان الله أن تلبس خمارها أمام أبي و هذا حرام طبعا. فما قولكم في برنامجي، فأنا بين أمرين كلاهما فيه جهاد ومقاومة: 1- أن أتّبع هذا البرنامج، وأقاوم هذا الحقير وأقهره كما قهرني، وهذا فيه جهاد، صحيح فيه شيء من التّنازل والضّعف، ولكن فيه تربية النّفس على فقه التّدرج والبدء بالأسهل فالأسهل، كما قال ابن عبد البّر (الميل إلى اليسر أبدا...) 2- أن أنفّذ كل ما يقول من دون تفرقة بين واجب ومستحب، ومختلف فيه، وهذا فيه صعوبة البدء جدّا جدّا، والوقت ضاع منّي كثيرا. فأرشدوني أرشدكم الله.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد: 

فقبل التعليق على برنامجك المذكور، ننبهك أولا إلى أن دين الله يسر، وأنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وأن عليك أن ترفق بنفسك، ولا تكلفها ما لا تطيق، وأن تحملها على الخير شيئا فشيئا، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، والوساوس باب شر عظيم، فتجاهلها، ولا تعرها اهتماما، وما كان محرما فلا بد من تركه.

وإذا علمت هذا، فبرنامجك المعتمد على ترك ما حرمه الله، والأخذ في فعل السنن والمستحبات بتدرج وترفق، حسن لا غبار عليه، إلا أن استحسانك جواز النظر إلى ذقن امرأة خالك فيه نظر، فهذا لا يجوز، وليس في غض البصر عن هذا الموضع صعوبة ولا مشقة.

وتأخيرك القيام في الناس خطيبا إلى حين استكمال آلتك العلمية، والاقتصار على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود الطاقة، فعل حسن.

وإذا اختلف العلماء في مسألة، فقلد أوثقهم في نفسك، فإن استووا، فلا حرج عليك في العمل بالقول الأيسر؛ كما ذكرنا ذلك في الفتوى رقم: 169801، ولكن لا يجوز أن يكون دأبك تتبع الرخص، وتخير أسهل الأقوال للعمل به؛ فإن ذلك مذموم، وإنما يجوز الأخذ ببعض الرخص عند الحاجة؛ كما ذكرنا ذلك في الفتوى رقم: 134759.

وأما كلامك مع الناس بالفصحى، فلا يجب، ولك أن تتكلم معهم بلغتكم الدارجة، وقد يكون ذلك أولى في بعض الأحيان إن كان المخاطبون لا يفهمون عنك إلا بهذه اللغة الدارجة، فإن الذي ينبغي هو أن يحدث الناس بما يعقلون ويفهمون.

والله أعلم.