السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب متزوج من ثلاث سنوات، رزقني الله بطفلة جميلة، أسأل الله أن يبارك فيها، وأعمل في شركة عالميةٍ في القاهرة، ومرتبي بفضل الله جيد يلبي رغباتي وطموحاتي.

تزوجتُ في بيت بناه والدي على أعلى مستوى، ولي فيه شقة مجهزة، ووالدي له شقة منفصلة في البيت نفسه، ولكن المشكلة أنَّ هذا البيت في محافظةٍ تبعد عن مكان عملي مدة ثلاث ساعات!

في بداية زواجي كنتُ أترُك زوجتي في البيت مع أهلي وأسافر إلى عملي، ثُم أعود لمدة يومين!

كنتُ أسكن مع بعض المغتربين، ثم استأجرتُ شقة وحدي، ومع كثرة البعد عن الأهل بدأت أحس أني كالضيف، مع شعوري ببعض الفتور في العلاقة بيننا، فقررتُ أن آخُذ زوجتي إلى القاهرة.

طلب مني والد زوجتي أن أسكنَ معهم في بيته، فرفضتُ، مع أن أهل زوجتي طيبون وكرماء، لكني لا أرى نفسي هناك!

كل من حولي يرون أن الأمر فرصة لي، وفي المقابل أهل زوجتي يضغطون عليَّ لأقبل ذلك، ووالدي شديد الحزن مع هذا لأني تركتُ بيته وسأعيش في بيت أهل زوجتي، لكنه بحكمته ترَك الاختيار لي؛ وأنا اتخذتُ قرارًا برفْض السكن!

أدى هذا القرار إلى أن تضايقت مني زوجتي وأهلها، لكنه مِن جهة أخرى أكسبني احترام والدي لي.

الآن أنا أعيش في القاهرة طوال الأسبوع ووقت الإجازة أذهب لزيارة والدي!

سؤالي: هل الوضع الذي أنا عليه الآن - حيث أعيش بجوار عملي في شقة مؤجرة، وأعود كل أسبوع أو أسبوعين إلى بيتي ومعي زوجتي وأولادي - صحيحٌ؟ أو الأفضل أن أترك زوجتي وأولادي في بيت أبي، وأعود كل أسبوع لمدة يومين؟

وهل قراري بعدم قبول عرض السكن في شقة والد زوجتي صحيح أو لا؟

أرجو تقديم المشورة، ولكم مني كل الاحترام والتقدير.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فلقد تأثرتُ كثيرًا - أيُّها الابنُ الكريمُ - بشدة بِرِّكَ بوالدِك، والذي يَجْعَلُكَ لا تفعل شيئًا يغضبه، حتى لو كان على حِسَابِ نَفْسِكَ؛ فهنيئًا لك برك بِوَالِدِك، والذي أَحْسَنَ تربِيَتَك على المبادِئِ العالية - جزاه الله خيرًا - مِنْ أَبٍ حَكِيمٍ تَرَك لك حُرِّيَّةَ الاخْتِيَارِ، أما أنتَ فَأَبْشِرْ بالخَيْرِ؛ فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخيرَ لا يأتي إلا بالخيرِ؛ لا سِيَّمَا بِرّ الْوَالِدِ؛ فرِضَا اللهِ مَعَ رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الله مع سَخَطِ الْوَالِد.

وفعلُك واختِيَارُك مِنَ الجِهَةِ التي ذَكرْتَهَا هو الصوابُ إن شاءَ اللهُ؛ لأنه عند تَعَارُضِ المَصَالِحِ؛ تُقَدَّمُ المصلحةُ الكُبرى، وتُدْفَعُ المفسدةُ العُلْيَا، ولا شك أن ترْكَ الإقامة عند أهلِ زَوْجَتِك وغَضَبَهم - وهم الكرماء - ضَرَرٌ، ولكن أكبرُ منه حُزْنُ وَالِدِك الذي هو أَوْلَى النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِك.

فتَلَطَّفْ بِوَالِدِ زَوْجَتِك، واشْرِحْ له وِجْهَةَ نَظَرِك، وَأَحْسِنْ إليه، وَحَاوِلْ أن تُجَامِلَهُ ببعض العبارات التي تُسَرِّي عنه، وتَمْسَحُ حُزْنَهُ؛ بِرًّا بزوجتك، فله عليك حَقُّ المُسْلِمِ، وَحَقُّ القُرْبَى؛ ورسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صح عنه فيما رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني قال: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا، فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا»؛ فعلل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التوصِيَةَ بأهل مصر بالرَّحِمِ والذِّمَّةِ، وذلك أن هاجر أُمَّ إسماعيل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبطيَّةٌ من أهل مِصْرَ، وأن ماريةَ أمَّ إبراهيم وَلَدِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قبطيةٌ؛ فتأملْ كيفَ دَفَعَ قُرْبُ مَارِيَةَ من النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الوصية بقومها أجمعين؛ ففي هذا إشارةٌ لطيفةٌ للإحسان لأهل الزوجة، والرِّفْقِ بهم.

أما حتى متى تستمرُّ في هذا، فَلِحِينِ أن يَأذَنَ اللهُ تعالى، فَأَحْسن الظَّنَّ بالله؛ فأنت شابٌّ في بداية الطريق، والطبيعيُّ أن تبدأ حياتَك بِنَفْسِك، وتُجَاهِدَ مع الحياة؛ لِتَكُونَ في المنزلة التي ترجوها، فاستمرَّ في الجِدِّ والمثابرَةِ، والسفر الأسبوعي لبيت الأسرة، وسيُخْلِفُ اللهُ عليك لا مَحَالَةَ؛ فاللهُ تعالى جَوَادٌ كريمٌ، وأنت تركتَ الاختيارَ السهلَ للهِ؛ برًّا بوالِدِك، وَفَرَقًا مِن غَضَبِهِ، وهذا من أعظم الطاعات لله، والتي يعطي عليها الأجرَ الجزيلَ؛ فقد رَوَى أحمدُ وأبو داودَ عن أبي بكرة، قال: قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم، والخيانة والكذب، وإن أعجل الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم إذا تواصلوا»؛ رواه ابن حبان والطبراني.

هذا؛ ورزقنا الله إياك وجميع المسلمين رزقنا حلالًا.