كنت -للأسف الشديد- من العصاة المذنبين، أحيا حياة يعلم ربي أني ندمت عليها كثيرًا، ورزقني ربي توبة من عنده، وهو أعلم أنها نصوح خالصة لوجهه الكريم، وصرت أراقب الله في كل أفعالي وأقوالي، شاعرًا بخشيته طول الوقت، وبعدها بدأت بالإحساس أن العبادات أصبحت عادات، وأن إيماني بالله صار من عقلي أكثر منه من قلبي، وكأني قسا قلبي، ولم أترك عملًا صالحًا أعمله، ولكن الأمر صار أشبه بالعادة، وكنت أخشى طيلة الوقت الوقوعَ في المعاصي، وأقول لنفسي: إني لو ارتكبت معصية فلن يقبل الله توبتي، وسأخلد في النار، ولكن صرت أقول: إني لو ارتكبت ذنبًا بسيطًا من لغو فلن يضرني إن استغفرت وأتبعته بالحسنة. وفي بعض الأوقات أستغفر الله العظيم فيتهيأ لي أني لا أخشى الله، وأني تبت فأنا في مأمن من عذابه، وبعدها أشعر أن أعمالي كلها مردودة عليّ، وأن الله لا يقبل إلا من قلب خاشع منيب، وعلى الرغم من كل هذا؛ فأنا -ولله الحمد- لم أترك عملًا صالحًا من صلاة، أو ذكر استقمت به من بعد توبتي، فهلا نصحتم لي، وأرشدتموني إلى ما يذهب قسوة القلب هذه -جزاكم الله خيرًا-.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فالحمد لله الذي تاب عليك، وأنقذك من الضلال، فعليك أن تشكر نعمة الله عليك بالهداية، وذلك بمزيد الاستقامة، والسير على وفق الشرع الشريف، واحذر المعاصي صغيرها والكبير، ولا تحقرن معصية فإن الصغائر بريد الكبائر -والعياذ بالله-.

ومما يذهب عنك قسوة القلب شهود الجنائز، وزيارة القبور، والتفكر في الموت، وما بعده من الأهوال العظام والخطوب الجسام، وشهود المحتضرين، وعيادة المرضى، والتأمل في حال المبتلين من عباد الله.

ومما يذهب عنك قسوة القلب كذلك لزوم ذكر الله على كل حال، وكثرة دعائه -سبحانه-، والتعوذ به من القلب القاسي، وإدامة الفكرة في أسمائه وصفاته -سبحانه-، وكثرة تلاوة القرآن بتدبر وخشوع، وتعلم العلم النافع، ومحاولة فهم كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالإمعان في تدبره، وسؤال أهل العلم عنه، والبعد عن ملهيات الدنيا وشواغلها، والتقلل من فضول الكلام، والنظر، والمخالطة، والأكل والشرب، وتفريغ القلب للآخرة، وإدامة الفكرة فيها، والزهد في الدنيا، والتقلل منها، والعلم بسرعة زوالها ووشيك انتقالها، ومصاحبة أهل الخير، وحضور حلق الذكر، ومجالس العلم، فكل هذا مما يعينك إن شاء الله على ترقيق قلبك، والتخلص من قسوته -نسأل الله أن يرزقنا وإياك قلوبًا خاشعة مطمئنة بذكره-.

والله أعلم.