صاحب أخي لديه مزرعة، ووجد فيها بطة، لا يعلم لمن؟ مع العلم أنه لا توجد مزارع قريبة، وأعطاها أخي وأطعمناها وباضت، وأكلنا من بيضها فهل يحل لنا؟ وهل التصدق بثمنها يحلها لنا؟ وإن كان التصدق لا يحلها فكيف نحللها؟ والآن أتينا بزوج لها وهي تجلس على البيض فما العمل؟ وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

 فإنه لا يجوز لصاحب أخيك التصرف في البطة بالعطاء إن غلب على الظن أنها مملوكة للغير، وهو المتبادر لوجودها في العمران، وإنما تعامل معاملة اللقطة، وإن غلب على الظن أنها غير مملوكة لأحد، فله التصرف فيها بالعطاء وغيره؛ لأنها تعتبر صيدا، وأما إن شك فيها فينبغي كذلك معاملتها معاملة اللقطة؛ لمحل الشبهة. ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
والأصل في البطة الملتقطة في العمران عدم التصرف فيها بالهبة أو الأكل قبل تعريفها سنة، لما روى الشيخان والترمذي وأبو داود وابن ماجه ومالك وأحمد من حديث زيد بن خالد الجهني، واللفظ لمسلم قال: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ اللّقَطَةِ الذّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمّ عَرّفْهَا سَنَةً، فَإنْ لَمْ تعرف فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْماً مِنَ الدّهْرِ فَأَدّهَا إلَيْهِ.

قال الحطاب: قال مالك في المدونة : ومن وجد ضالة غنم بقرب العمران عرف بها في أقرب القرى إليها ولا يأكلها، وإن كانت في فلوات الأرض والمهامه أكلها، ولا يعرف بها، ولا يضمن لربها شيئا. انتهى .
ويمكن لملتقطها أن يتصدق بها عن صاحبها بعد تعريفها سنة، ولو جاء صاحبها بعد ذلك خُيِّرَ بين إمضاء الصدقة أو الرجوع بمثلها إن كانت مثلية، وبقيمتها إن كانت مقومة؛ لما روى أبو وائل شقيق بن سلمة قال: اشترى عبد الله بن مسعود جارية من رجل بستمائة أو سبعمائة درهم فنشده سنة فلم يجده، فتصدق بها من درهم ودرهمين عن ربها، فإن جاء صاحبها خيره، فإن اختار الأجر كان له، وإن اختار ماله كان له ماله. ثم قال ابن مسعود: هكذا فافعلوا باللقطة. رواه الطبراني في الكبير.
ورواه البخاري معلقاً بلفظ: .. اشترى ابن مسعود جارية والتمس صاحبها سنة فلم يجده وفقد، فأخذ يعطي الدرهم والدرهمين، وقال: اللهم عن فلان، فإن أتى فلي وعلي. ووصله سعيد بن منصور بسند جيد كما في الفتح، قال الحافظ ابن حجر: فرأى ابن مسعود أن يجعل التصرف صدقة، فإن أجازها صاحبها إذا جاء حصل له أجرها، وإن لم يجزها كان الأجر للمتصدق، وعليه الغرم لصاحبها، وإلى ذلك أشار بقوله (فلي وعلي) أي فلي الثواب وعلي الغرامة.. 

 فإذا علمت هذا؛ فانه لا تصح هبة البطة لأخيك قبل تعريفها سنة، ولا يحل لكم تملكها قبل ذلك، وأما إذا كملت السنة فإن هبتها جائزة إذا نوى الملتقط تملكها، وله أن يتصدق بها عن صاحبها، وإذا جاء صاحبها خير بين أجر الصدقة أو ثمنها؛ لما روى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود . 

وأما بيضها فهو ملك لصاحبها؛ كما ذكر ابن قدامة في رواية المروذي عن الإمام أحمد: في طيرة أفرخت عند قوم, فقضى أن الفراخ لصاحب الطيرة. اهـ

وقال أيضا: وَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا , فَوَجَدَهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ; لأَنَّهَا نَمَاءُ مِلِكِهِ. اهـ

ولا حرج عليكم في الانتفاع به، والملتقط هو الضامن؛ كما سبق.

وأما لو كانت غير مملوكة لأحد فلا إشكال في جواز التصرف فيها مطلقا. 

والله أعلم.