أنا رجل متزوج ومقيم في أمريكا، ولدي 3 بنات، أكبرهن 8 سنوات، وأصغرهن سنتان، وزوجتي مسلمة، ولكنها لا تصلي معظم الأوقات، وتحب سماع الأغاني والتبرج وغير ذلك. وقد كنّا على مشاكل كثيرة طوال عشر سنين حول هذا الموضوع، وانا أنصحها، وهي لا تسمع النصيحة، ولا تطيعني في شيء، وتسبني من أجل ذلك، ودائما كنت أقول في نفسي الصبر الصبر والأولاد، ولكن دون جدوى. في الفترة الأخيرة زارني أهلي -أمي وأبي- وأنا وحيد بعدما قتل أخي في سوريا -بلدنا- ولكنها آذت أهلي كثيرا خصوصا أبي بحجة أنها غير مجبورة، وأن الإسلام لا يجبرها على أن أستقبل أبي في المنزل؛ لأن أمي رجعت إلى سوريا من أجل أختي لأنها وحيدة أيضا، وزوجها يغيب عن المنزل أحيانا لأيام. حاولت معها مرارا وتكرارا أن نعود إلى بلدنا؛ خصوصا في هذه الظروف، وبعدما هداني الله عز وجل، ونزلت إلى سوريا منذ ثلاث سنوات، ولكني رجعت بحجة عدم ضياع الأولاد، لكن لا حياة لمن تنادي، وهي لا تطيعني في أمر أبدا، ولا تعينني على ديني ولا دنياي. فقررت الرجوع والهروب بديني إلى بلدي، وتركتهم هناك، ولها أبوها وأهلها، وتركت البيت وكل ما أملك معها. : هل يجوز لي البقاء في بلدي سوريا، وأنتم تعلمون الوضع وأحوال البلد، وترك أولادي؟ مع العلم أني لا أستطيع أن أجلب أولادي معي؛ لأَنِّي حاولت مرارا وتكرارا، ولكن دون جدوى، وهي مصرة إما الطلاق أو الرجوع إلى أمريكا، وأنا لا أريد الرجوع، ولا أرتاح له، ولا آمن على ديني، ولا أملك لأولادي شيئا. هل أنا آثم لتركي أولادي معها؟ هل علي الرجوع إليهم؟ أم أن الله يتكفل بهم؟

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 ففي البدء نشكرك على حرصك على الحفاظ على دينك ودين أولادك، فجزاك الله خيرا، ونسأل الله تعالى أن يحفظكم ويحفظ لكم دينكم، وأن يصلح زوجتك ويهديها صراطه المستقيم. ونوصيك بكثرة الدعاء، فإن الله سميع مجيب لا يخيب ظن من رجاه، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {البقرة:186}. وراجع لمزيد الفائدة الفتوى رقم: 119608، ففيها بيان آداب الدعاء وشروطه وأسباب إجابته.

وإن كانت زوجتك على الحال الذي ذكرت فهي ضعيفة في دينها؛ لكونها مفرطة في صلاتها، وتتبرج وتسمع الأغاني، وسيئة في خلقها بسبها لك. وإن كانت لا تطيعك فيما يجب عليها طاعتك فيه فهي ناشز، وقد بين القرآن الكريم كيفية التعامل مع الناشز. وراجع في ذلك الفتوى رقم: 1103.

ويجب أن تنصح فيما ذكرت من المنكرات التي تفعلها، وليكن ذلك بأسلوب طيب رجاء التأثير عليها وإصلاحها، ويمكن أن تستعين عليها بمن ترجو أن تقبل قولهم. ولا تنس أن تكثر من الدعاء لها بالهداية عسى أن يستجيب الله دعاءك فتصلح، فذلك خير لك ولها.

 ومن حقها كزوجة أن تكون في مسكن مستقل عن أهلك، فلا يلزمها أن ترتضي وجود والديك أو غيرهما من أقاربك معها في البيت، كما أوضحناه في الفتوى رقم 116753. وهذا الحق لا يسوغ لها أن تؤذي أيا من والديك.

 وقد ذكر أهل العلم أن المرأة مطالبة شرعا بأن تقيم حيث يقيم زوجها، قال مالك في المدونة: وللزوج أن يظعن بزوجته من بلد إلى بلد وإن كرهت.... اهـ. فإن امتنعت زوجتك عن الانتقال معك لغير عذر فهي آثمة، وإن كانت معذورة في ذلك فلا إثم عليها، ومن العذر عدم الأمان في الطريق أو البلد المنتقل إليه، قال الحطاب المالكي في مواهب الجليل: للرجل السفر بزوجته إذا كان مأمونا عليها. قال ابن عرفة: بشرط أمن الطريق والموضع المنتقل إليه. اهـ.
  وقد أحسنت حين تركت هذا البلد الذي تخشى فيه على دينك، ولا يجوز لك ترك أولادك في بلد تخشى عليهم فيه الفتنة، فالإقامة هنالك أخطر على الأولاد من الوالدين، وأنت مسؤول عنهم وعن صيانة دينهم من أسباب الفتنة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {التحريم:6}، قال السعدي: أي: أولادكم -يا معشر الوالدين- عندكم ودائع، قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم، وتؤدبونهم، وتكفونهم عن المفاسد... اهـ. ولا يجب عليك الرجوع لذلك البلد، ولكن يجب عليك بذل الجهد في محاولة تخليص الأولاد منه.

والله أعلم.