لدي أخ من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويعاني من شلل دماغي كامل، وجسدي كامل. ولله الحمد والمنة، ونشكر الله على هذه النعمة الموجودة في حياتنا، والتي قد استرجعها الله منا منذ يومين، والحمد لله نتمنى أن نكون قد أدينا واجبنا معه على أكمل وجه. أخي توفي قبل يومين، ومنذ وفاته وأنا أتساءل: أين هو الآن؟ وكيف سيحاسب؟ وهل يرانا ويشعر بنا؟ وهل سيكون شفيعاً لنا يوم القيامة؟ وهل سيتعرف علينا؟ أخي كانت إعاقته كاملة، لا يدرك شيئا أبدا. والحمد لله جميع من في المنزل يحبه حباً شديداً، ويعتني به عناية كاملة، ونعطيه من الحب والحنان ما نقدر عليه وزيادة، وكانت وفاته فاجعة بالنسبة لنا، والحمد لله على كل حال. هناك ناس يقولون لنا إنه طير في الجنة، وهناك أناس يقولون بأنه يأكل ويشرب الآن في الجنة. ما هي الحقيقة؟ شكرا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فنسأل الله أن يحسن عزاءكم  في الأخ، ونوصيكم بالاسترجاع والصبر، ونعزيكم بما عزى به النبي صلى الله عليه وسلم ابنته لما توفي ولدها، فقد روى مسلم عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرا منها، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي خيرا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وأما سؤالك عنه أين هو؟ وعن شفاعته، وحسابه؟ فان كان مات قبل أن يبلغ الحلم، فلا حساب عليه، ولا عقاب، بل يجعله الله تعالى في كنف إبراهيم عليه السلام في الجنة، وقد ثبت أنه يشفع لوالديه؛ كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا الطويل قال: فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق... ثم قالا في جوابهما له: وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة. وروى مسلم في الصحيح عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا، قال: نعم، صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه، أو قال أبويه فيأخذ بثوبه، أو قال بيده، كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى، أو قال: فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة.
وفي حديث مسلم: صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه فيأخذ بثوبه، فلا ينتهي حتى يدخله الله وإياه الجنة.

قال النووي في المجموع: الدعاميص، جمع دعموص كبرغوث وبراغيث, قالوا: وهو الدخال في الأمور. ومعناه أنهم سياحون في الجنة، دخالون في منازلهم، لا يمنعون من موضع منها. كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون الدخول على الحرم. اهـ.

وقال النووي في شرح مسلم: وفي هذا دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة فيه إجماع المسلمين. قال المازري: أما أولاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالإجماع متحقق على أنهم في الجنة، وأما أطفال من سواهم من المسلمين، فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة، ونقل جماعة الإجماع على كونهم من أهل الجنة قطعا؛ لقوله تعالى: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم. انتهى كلام النووي.

ولا يحاسب كذلك من كان فاقد الإدراك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل.  رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.  وفي رواية: وعن المعتوه حتى يعقل. رواها الإمام أحمد.

قال النسفي : والمعتوه شبيه بالمجنون، وهو الذي يصيبه فساد في عقله من وقت الولادة، وقد عته يعته عتها على ما لم يسم فاعله، فهو معتوه. اهـ.
 وقد سئل الشيخ ابن عثيمين فقيل له: هل يحاسب المولود المتخلف عقلياً؟

فأجاب بقوله: المولود المتخلف عقلياً، حكمه حكم المجنون، ليس عليه تكليف، ولا يحاسب يوم القيامة، لكنه إذا كان من أبوين مسلمين، أو أحدهما مسلماً فإن له حكم الوالد المسلم، أي أن هذا الطفل يكون مسلماً، فيدخل الجنة. اهـ.

وأما عن الشفاعة للأقارب، فلا نعلم نصا بخصوص ذلك. 

والله أعلم.