سمعت مؤخرا عن الذهاب إلى الكنيسة لعلاج السحر، والمس وغيره. ما حكم ذلك، مع الرد على من يجيز ذلك؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:

فلم يبين لنا السائل الكريم من الذي يتولى الرقية في الكنيسة، وهل الراقي مسلم أم كافر، وبماذا تتم رقية المسحور أو المصاب بالمس؟

والذي يمكننا قوله جوابا على سؤاله: أنه إذا كان الراقي مسلما، يرقي بالرقية الشرعية، فإن الذهاب للكنيسة لأجل الرقية، جائز في الأصل، والأفضل عدمه؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى.

وإن كان الراقي كافرا، ويرقي بما لا يخالف الشرع، فقد أجاز بعض أهل العلم الرقية عند الكتابي، وكرهها آخرون.

جاء في الموسوعة الفقهية: رُقْيَةُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ.

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رُقْيَةِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالإْمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ إِلَى: جَوَازِ رُقْيَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لِلْمُسْلِمِ، إِذَا رَقَى بِكِتَابِ اللَّهِ، وَبِذِكْرِ اللَّهِ. لِمَا رُوِيَ فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- دَخَل عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا- وَهِيَ تَشْتَكِي، وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا، فَقَال أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، قَال الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَل -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "بِكِتَابِ اللَّهِ" أَيْ "بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل" أَوْ رُقْيَةً مُوَافِقَةً لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَيُعْلَمُ صِحَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ تُظْهِرَ رُقْيَتَهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِكِتَابِ اللَّهِ أَمَرَ بِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: أَكْرَهُ رُقَى أَهْل الْكِتَابِ، وَلاَ أُحِبُّهُ؛ لأِنَّنَا لاَ نَعْلَمُ هَل يَرْقُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ، أَوْ بِالْمَكْرُوهِ الَّذِي يُضَاهِي السِّحْرَ. اهـ.

والأولى في كلا الحالين المنع؛ لأن الكنيسة مكان يشرك فيه بالله تعالى، ويكفر به فيها، والذهاب إليها لغرض العلاج ربما كان فيه دعاية لها، وأنها قد تكون محلَّ بركةٍ واستشفاء؛ مما يؤدي إلى اغترار الجهال من المسلمين بتلك الدعاية الفاسدة، واعتقادهم في الكنيسة ما لا يحل اعتقاده، لا سيما في هذا الزمن الذي قل فيه علم المسلمين بدينهم، وكثر فيهم التأثر بأهل الكتاب، وكثرت مخالطتهم لهم، فلا ينبغي الذهاب للكنيسة حينئذ، وننصح من يفتي بالجواز أن ينظر في المآلات التي ربما تترتب على دخول الكنيسة من أجل العلاج، وأن لا يقتصر نظره على مجرد أصل حكم دخول الكنيسة، وأن من أهل العلم من يرى جواز دخولها، فالعالم حقا ينظر إلى المآلات والعواقب، ويسد الذرائع، ولا يغفل عنها، فإذا كان الفعل يؤدي إلى أمر غير محمود شرعا، منع على المكلف، وإن كان في أصله جائزا أو واجبا. وقد جاء الشرع بالنظر فيها وسد الذرائع، فما يسكر كثيره، فقليله في الشرع حرام ولو كان هذا القليل لا يسكر، وهكذا. وقاعدة سد الذرائع قاعدة عظيمة، قررها الشرع ويرتضيها كل عقل سليم، ومراعاة هذا الأصل -أعني النظر في المآلات- من صفات الراسخين في العلم.

قال الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى- في بيان صفة العالم الراسخ، والفرق بينه وبين غير الراسخ في العلم: أَنَّهُ نَاظِرٌ فِي الْمَآلَاتِ قَبْلَ الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالَاتِ، وَصَاحِبُ الثَّانِيَةِ لَا يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُبَالِي بِالْمَآلِ. اهــ من الموافقات.
وأما إذا كان الراقي في الكنيسة كافرا، ويرقي بما يخالف الشرع، فإنه لا يجوز الذهاب للكنيسة والرقية عنده، وقد حذرت اللجنة الدائمة للإفتاء من الذهاب للكنيسة لأجل إخراج الجن عند القسيس، والراهب.

فقد جاء فيها: وليحذروا من الذهاب إلى الكنيسة أو القسيس؛ ليخرج منها ما يدعونه من الشيطان، فإنها معبد النصارى، والقسيس كافر، ورقيته إياها إنما بالرقى الشركية والتعويذات الشيطانية، وهذا من الكهانة والشرك، فليحذر المسلم من ذلك الضلال، وفي العلاج عند الأطباء، وفي الرقية الشرعية بالقرآن والسنة النبوية غنية عن الرقى الشركية الشيطانية. اهــ.
 والله تعالى أعلم.