عندي موقع إنترنت أبيع فيه برامج كمبيوتر، وأجهزة إلكترونية، وأتقاضى عمولة على البيع، وكل الشركات التي أتعامل معها أجنبية، وفي فترة أعيادهم الدينية وغير الدينية، يقدمون تخفيضات للزبائن بمناسبة العيد، وأنا لا أضع في موقعي أي إعلان خاص بهذه الأعياد، بل أضع التخفيضات والعروض التي تكون في سائر الأيام فقط، ولا علاقة لها بأعيادهم ومناسباتهم، وهذه المنتجات عامة ليست خاصة بأعيادهم، فإذا زار شخص موقع الشركات عن طريق الإعلانات في موقعي -التي لا علاقة لها بأعيادهم ومناسباتهم- ثم وجد العروض الأخرى في موقع الشركة، واختار أن يشتري من العرض الخاص بهذه الأعياد، فإني أتقاضى عمولة أيضًا، فما حكم هذه العمولة؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فإذا كان تعاملك مع زبائنك، أو مع تلك الشركات الأجنبية فيما هو مباح، فلا حرج عليه فيه، ولك الانتفاع بالتخفيضات والعمولات التي تعطيها الشركات، ولو وافق ذلك عيدًا من أعيادها، أو مناسبة ما من مناسباتها، فالأصل هو إباحة الشراء، ووقوعه في وقت عيدهم لا يضر.

والانتفاع بالتخفيض، ليس فيه إعانة لهم على معصية، طالما لم تحصل مشاركة في المظاهر الاحتفالية لعيدهم، فمجرد الشراء يبقى على أصل الحِل، وقد نص بعض أهل العلم على جواز الشراء من أسواق المشركين التي يقيموننا في أعيادهم، نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم)، وأوضح الفرق بين البيع والشراء، فقال: لا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام، واللباس، ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر، فأما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم، أو شهود أعيادهم للشراء فيها، فقد قدمنا أنه قيل للإمام أحمد: هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور يانور، ودير أيوب، وأشباهه يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون فيه الغنم، والبقر، والدقيق، والبر، وغير ذلك؛ إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق؟ قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق، فلا بأس.

وقال أبو الحسن الآمدي: "فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم، فلا بأس بحضوره". نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: "إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم". فهذا الكلام محتمل؛ لأنه أجاز شهود السوق مطلقًا بائعًا ومشتريًا؛ لأنه قال: "إذا لم يدخلوا عليهم كنائسهم، وإنما يشهدون السوق، فلا بأس" هذا يعم البائع والمشتري، لا سيما إن كان الضمير في قوله: "يجلبون" عائدًا إلى المسلمين، فيكون قد نص على جواز كونهم جالبين إلى السوق. ويحتمل -وهو أقوى- أنه إنما أرخص في شهود السوق فقط، ورخص في الشراء منهم، ولم يتعرض للبيع منهم؛ لأن السائل إنما سأله عن شهود السوق التي يقيمها الكفار لعيدهم، وقال في آخر مسألته: "يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم" وذلك لأن السائل مهنا بن يحيى الشامي، وهو فقيه عالم، وكان -والله أعلم- قد سمع ما جاء في النهي عن شهود أعيادهم، فسأل أحمد: هل شهود أسواقهم بمنزلة شهود أعيادهم؟ فأجاب أحمد بالرخصة في شهود السوق، ولم يسأل عن بيع المسلم لهم إما لظهور الحكم عنده، وإما لعدم الحاجة إليه إذ ذاك، وكلام الآمدي أيضًا محتمل للوجهين ... فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة، فيجوز؛ لأن ذلك ليس فيه شهود منكر، ولا إعانة على معصية؛ لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه لعيدهم عنهم، فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون لأعياد باطلة ... ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر -رضي الله عنه- في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام، وهي دار حرب ... مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية. فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام، واللباس، والريحان، ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم. اهـ.

والله أعلم.