السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لديَّ مشكلة سببتْ لي أرقًا شديدًا، وضغطًا نفسيًّا كبيرًا، فقد تقدَّم لي شابٌّ ذو خُلُق ودين، وبعد الاستخارة وسؤال الوالد عن أخلاقه تمت الموافقة مِن قِبَلي، وتم العقد.

كان شرطي الوحيد أن أرى الخاطب "نظرة شرعية"، وافق والدي في البداية، لكن بعد العقْدِ تنكَّر الوالدُ ورفض؛ بحجة الخوف مِن نقْدِ أهل زوجي له، مع أنه مِن عادتنا أن يرى الخاطبُ خطيبته، والزوجُ لم يطْلُب الرؤية إلى الآن!

مر على العقد 3 أشهر، ولم يطلبْ رؤيتي، ولم يتحدثْ مع أهلي عن أمور الزواج!

مقصدي من كلامي أني أريد أن أتعرفَ إليه، فهو في النهاية زوجي، فكيف لا أشاهده إلا يوم الزواج، وقد حاولتُ بكلِّ الطرُق أن أوصلَ لأمي وأبي وأخي رغبتي الشديدة في التعرُّف إليه، خصوصًا أنه معروفٌ في عائلتي أن الخاطب يتعرَّف إلى خطيبته!

الآن حصلتُ على هاتف خطيبي مِن أخي، فهل أُبادر أنا بالاتصال لطلب التعرُّف إليه، استخرتُ كثيرًا، وما زلتُ مُتَرَدِّدة!

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبِه ومَن والاه، أما بعدُ:

فأيتها الابنة الكريمة، مشكلتك ليستْ صغيرةً كما ذكرت، ولا نَظُنُّ هذا أبدًا، بل هي مشكلة كبيرةٌ حقًّا، فهي صراع بين العادات الموروثة والشرع الحنيف الذي أمر بنظر كل مِن الرجل والمرأة بعضهم لبعض عند الخطبة؛ كما روى مسلم في "صحيحه"، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كنتُ عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوَّج امرأةً مِن الأنصار، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنظرتَ إليها؟ قال: لا، قال: فاذهبْ فانظرْ إليها، فإنَّ في أعين الأنصار شيئًا».

وفي المسند وسنن أبي داود، عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا خطب أحدكم المرأة، فَقَدَرَ أن يرى منها بعض ما يدعوه إليها، فليفعل»، وزاد أبو داود: قال جابر: «فخطبت جارية، فكنت أَتَخَبَّأُ لها، حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحها؛ فتزوَّجْتُها».

وبيَّن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - العلة في ذلك، وهي: دوامُ العشرة، فروى أحمدُ والترمذيُّ، عن المغيرة بن شُعْبَة، قال: «خطبتُ امرأةً، فقال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنظرتَ إليها؟ قلت: لا، فقال: انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يُؤْدَمَ بينكما».

فكيف يتم العقدُ الشرعي بدون رؤية الخاطبين لبعضهما؟!

وما نستطيع أن نقوله هو: قدر الله وما شاء فعل، أما الآن وقد صرتِ زوجة لهذا الرجل؛ لأنه بمجرد العقد تصيرين زوجة له، ولا يتوقف ذلك على ذهابك لبيت الزوج؛ ولك عليه كل الحقوق الشرعية بين الزوجين؛ مِن التوارث، والخلوة، والاستمتاع، فضلًا عن كلامه في الهاتف ورؤيته.

فلا حرج عليك مُطلقًا ابنتي الكريمة، ولا ينقص مِن قدرك ولا قدْر أسرتك أن تتصلي بزوجك، وتُبَيِّني له حكم الشرع كما بيناه لك، وأنَّ مِن حقك وحقه أن تتقابَلَا وتتحدثَا، ويزوركم ويجلس معك؛ فهذا مما أباحه الله لكلا الزوجين، فلا يتصوَّر أن نجعل عاداتٍ وتقاليدَ ما أنزل الله بها من سلطان هي الحكم في حياة أسرية، وتحول بين المرأة وزوجها، فتحلّي بالشجاعة اللازمة، واخطي تلك الخطوة.

كما عليك أن تتحلي بالصبر والحلم والأناة والترفُّق؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله تعالى رفيقٌ يحب الرِّفْق، ويُعطي عليه ما لا يعطي على العنف»؛ رواه أحمد، وأبو داود، وغيرهما.

أما زوجُك قد يُفاجأ بالأمر، لا لأنه ممنوع، أو ينقص مِن قدرك شيئًا، ولكن لمخالفته للإلف والعادة؛ فالنزوعُ عن مخالفة العادات شديدٌ على النفس، صعب عليها، أثقل من الجبال، لا سيما مَن نشأ وتربَّى على تلك العادات حتى صارت كالمَلَكة، فكثرةُ المزاولات تعطي الملكات؛ فتبقى للنفس هيئة راسخة، وملكة ثابتة.

ولا يتمكن الإنسانُ مِن ترْكِ عاداته حتى يعلمَ أولًا أنها خاطئة، ولا يكون ذلك إلا بمساعدة ومعونةٍ، فكوني ذلك الشخص، وأنا على ثقة بأن ذلك سيُسعده، وذكِّريه بأنَّ الأولى بنا جميعًا، بل الواجب الحتمي مُتابعة الكتاب والسنة، وترْك ما خالفهما في تلك المسألة الكبيرة؛ أعني: بناء الأسرة المسلمة؛ قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا}[الأحزاب: 36]، وقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]، وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

هذا؛ وبارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما على خيرٍ.