كنت أتناقش مع الوالد عما إذا كانت كثرة الدعاء والاستغفار، وقراءة القرآن تحسن الأخلاق، قلت إني لا أؤمن بهذا الشيء؛ لأني أعرف الكثير من الناس المحافظين، الذين أخلاقهم لا تعكس هذا الشيء، ففي النهاية هذه الطباع والصفات قد تكون موروثة، أو نتيجة البيئة والتربية، ويجب على الشخص أن يعمل بجهد على تغيير طبعه، وتحسين أخلاقه، وأن الدعاء والاستغفار، وقراءة القرآن بحد ذاتها لا تغير صاحب هذه الطباع. كما قلت إننا يجب ألا نلوم الشيطان على جميع أخطائنا (مثل قول "هذا من الشيطان" بعد الندم على قول كلام جارح، أو بعد ارتكاب معصية، إلخ.) حيث إن في هذا هروبا من المسؤولية، وعدم تحمل الخطأ. هل كلامي صحيح؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:

فإن العبارة التي ذكرتها لا تخلو من إجمال، فإن كان مرادك أن كثرة الدعاء والاستغفار، وقراءة القرآن ليس لها أي أثر، أو علاقة بتحسين الأخلاق، فهذا قول ظاهر البطلان، وليت شعري إن لم يكن القرب من الله بكثرة دعائه، واستغفاره، وتلاوة كتابه، موثرا في تحسين الأخلاق، وتقويم الطباع، فما الذي سيكون له أثر في ذلك؟!.

وقد اشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاؤه بما يتعلق بالهداية إلى الأخلاق الحسنة، والمعافاة من الأخلاق السيئة. فمن دعاء النبي في استفتاح الصلاة: واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت. أخرجه مسلم.

وفي المسند: عن ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم أحسنت خَلْقي، فأحسن خُلُقي. صححه ابن حبان. وفي الصحيحين: تعوذه صلى الله عليه وسلم من البخل والجبن . إلى غير ذلك من الأحاديث.

ولو لم يكن للدعاء أثر في حسن الخلق، لكان الدعاء به اعتداء وعبثا لا طائل وراءه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم من الدعاء بذلك.

وأما تلاوة القرآن العظيم، فلا ريب في أن لها أجلى الأثر على خلق القارئ والسامع، فقارئ القرآن يقرأ الأمر والحث على التخلق بأحسن الأخلاق، فيمتثلهما، ويتلو الزجر والنهي عن سيء الخلال، فيتجافى عنها ويتقيها.

 ودونك مثالا على أثر تلاوة القرآن على الأخلاق: فقد جاء في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام، كان أجود بالخير من الريح المرسلة. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يتأثر بمدارسة آيات القرآن الكريم، فيزداد جودا إلى جوده صلى الله عليه وسلم.

وأما إن كان مرادك أن مجرد الدعاء، وتلاوة القرآن لا تكفي في إصلاح الأخلاق دون ترويض النفوس، ومجاهدتها على ذلك. فهذا المراد صحيح، ولم يقل أحد أصلا إن مجرد الدعاء، وتلاوة القرآن سبب في حسن الأخلاق، من غير حاجة إلى مجاهدة النفس، وترويضها على تحسين الأخلاق!

وما أشرت إليه من وجود من يدعو، ويقرأ القرآن العظيم ولا يحسن خلقه: فهنا الخلل في شخص الداعي والقارئ، ولا يقتضي هذا نفي أثر الدعاء والتلاوة في تحسين الأخلاق، فإن المقصود بالدعاء وقراءة القرآن المؤثرة في تحسين الأخلاق، إنما هو الدعاء الصادق المتقبل، وليس مجرد دعاء اللسان، والقراءة الخاشعة المقترنة بالتدبر والعمل، وليس مجردة التلاوة التي لا تجاوز التراقي والأفواه.

وكذلك قولك: (يجب ألا نلوم الشيطان على جميع أخطائنا (مثل قول "هذا من الشيطان" بعد الندم على قول كلام جارح، أو بعد ارتكاب معصية، إلخ..) حيث إن في هذا هروبا من المسؤولية، وعدم تحمل الخطأ.) 

فهذا القول خطأ، إن كان مقتضاه افتراض التلازم بين نسبة السوء للشيطان، وبين الهروب من المسؤولية من الخطأ الذي يرتكبه قائل ذلك، والحقيقة أنه لا تلازم بين الأمرين، فالقرآن العظيم مليء بنسبة السوء للشيطان، باعتبار أن كل شر يصيب الإنسان إنما هو بسبب ذنوبه، وذنوبه ما هي إلا بوسوسة الشيطان.

  قال ابن تيمية: فإن الوسواس أصل كل كفر، وفسوق وعصيان، فهو أصل الشر كله، فمتى وقي الإنسان شره، وقي عذاب الله في الدنيا والآخرة؛ فإنه إنما يعذب على الذنوب، وأصلها من الوسواس، والشيطان تارة يحدث وسواس الشر، وتارة يُنسي الخير. قال تعالى في النسيان: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} وقال فتى موسى: {فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان} وقال تعالى: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} .وقال موسى لما قتل القبطي: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين}. وقد قال غير واحد من الصحابة: كأبي بكر وابن مسعود فيما يقولونه باجتهادهم: إن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، ومن الشيطان. اهـ. باختصار.

ونسبة العبد المؤمن السوء للشيطان، ينبغي أن لا تقتضي البتة التملص من المسؤولية، بل على العكس، ففيها إقرار العبد المؤمن بغفلته، واستشعاره لعداوة الشيطان وتربصه به، وسعيه الدؤوب لإلحاق السوء والضرر به، مما يستدعي من العبد دوام اليقظة والحذر من الغفلة، وأن يكثر اللجوء إلى الله، والاستعاذة به من شر الشيطان، وأن يعتصم من شر الشيطان بلزوم طاعة الله وعبادته. 

والله أعلم.