بارك الله فيكم. ما هو الجواب عن شبهة منع المستضعفين من الدفاع عن أنفسهم، إذا لم يكن ثمة قدرة، بدليل أن الصحابة صبروا على أذى المشركين قبل الهجرة؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:

فلا ندري أين وجه الشبهة في هذه المسألة، فالمعتدى عليه إما أن يكون قادرا على الدفاع عن نفسه، فهذا سيدافع عنها لا محالة، وهذا حقه الشرعي والطبيعي، ولا يتصور أن عاقلا يقول بمنعه من ممارسة حقه في ذلك.
وإما أن يكون عاجزا لضعفه، أو ضعف وسائله، فهذا معذور شرعا وطبعا، ولا أحد يقول بإلزامه بما لا يقدر عليه. وهكذا كان حال الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- فالمستضعفون منهم في مكة أمروا بالصبر، وهذا لا يلزم منه عدم الدفاع عن النفس عند القدرة، والانتصار على من ظلم، فإن منهم من كانت له عشيرة تحميه، وتمنعه من أذى الكفار، وكان قاردا على الانتصار، ومنهم من كان مستضعفا ليس له من يمنعه، ولا قدرة له على منع نفسه، وكانوا يؤذون في الله، ويعذبون كبلال وعمار ووالديه، وابن فُهيرة وغيرهم، فهؤلاء أمروا بالصبر، ولو كان الواحد منهم قادرا على الدفاع عن نفسه، لم يمنعه الشرع من ذلك، فالقادر على الدفع عن نفسه، كان ينتصر، ولا يذل نفسه للمشركين يؤذونه، وقد أثنى الله على من انتصر منهم في مكة على من ظلمه، بقوله تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. {الشورى:41 }
والمسلون في مكة لم يؤذن لهم بالقتال العام، مراعاة لوضعهم في ذلك الوقت، وعدم مواتاة ظروفهم للنفير الشامل، وهذا لا يلزم منه منع أفرادهم من الدفاع عن أنفسهم أو أموالهم، أو أعراضهم إذا استطاعوا ذلك، فقد كان عمر -رضي الله تعالى عنه- يدافع عن نفسه، بل وعن من استطاع أن يدافع عنه من المسلمين.

والله أعلم.