أريد أن أسأل عن الإثبات: هل يجب أن يكون مسجلا لدى القاضي، أو المحكمة، أو كتابة العدل، حتى يكون صحيحا ويؤخذ به؟ بمعنى لو أن رجلا وهب عمارته لرجل آخر، وكتبا ذلك في ورقة، وشهد شاهدان -سواء من معارفهما، أم من غير معارفها- على صحة الكلام المكتوب في الورقة، وبقيت الورقة لديهما، وتوفي صاحب الفيلا. هل يستطيع الشخص الممنوح له، الذهاب لكتابة العدل لإثبات ملكيته للعمارة بهذه الورقة، أمام ورثة المتوفى، بسابق معرفتهم، أو بدون سابق معرفتهم؟ وأيضا حالة أخرى، لا أعرف إن كان لها نفس الحكم: توفي شخص، وله عمارة، وقد تمت كتابتها باسم أحد الورثة، أو توكيله على إدارتها، وأراد أن يتزوج، وخاف أن يتداخل الميراث بعد وفاته -لا سمح الله- فكتب ورقة تفيد أن العمارة ليست له، ولم يسجل ذلك في المحكمة، وإنما في ورقة، مع وجود شهود. هل يؤخذ بهذا بعد وفاته، أم إن المحكمة لا تعتد بهذا؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فوسائل الإثبات المعتبرة في المحاكم في البلدان المختلفة، وهل التسجيل شرط في هذا الاعتبار، لا يدخل في اختصاصنا، وإنما يرجع فيها لأهل الاختصاص في القانون المعمول به في تلك المحاكم.

 وأما من الناحية الشرعية، فما يمكننا إفادة السائل به هو: التنبيه على أن الهبة تثبت بشهادة شاهدين، مرضيين. ولكنها لا تتم إلا إذا كان الواهب مؤهلاً للتصرف وقت الهبة، وتمت حيازتها من طرف الموهوب له حيازة تامة، بحيث يصبح متصرفا فيها تصرف المالك في ملكه، ويرفع الواهب عنه يده تماماً، وتم كل هذا قبل موت أحدهما، أو فلس الواهب. وليس من شروط تمام الهبة، ولا صحتها من الناحية الشرعية، تسجيلها في المحكمة.

وإذا لم تستوف الهبة شروطها بعدم حيازتها قبل موت الواهب، أو تفليسه، فإنها ترجع إلى صاحبها، فقد روى الإمام مالك في الموطأ: أن أبا بكر وهب لعائشة -رضي الله عنها- جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية، فلما مرض مرضه الذي توفي فيه، قال لها: كنت قد نحلتك عشرين وسقا، ولو كنت قبضتيه، أو حزتيه، كان لك، فإنما هو اليوم مال وارث، فاقتسموه على كتاب الله تعالى.

وقال ابن أبي زيد المالكي في الرسالة: لا تتم هبة، ولا صدقة، ولا حبس، إلا بالحيازة، فإن مات قبل أن تحاز عنه، فهي ميراث، إلا أن يكون ذلك في المرض، فذلك نافذ من الثلث، إن كان لغير وارث. اهـ.  

 ومن أقرّ لغيره بملك، وأشهد شاهدين، كان ذلك كافياً في ثبوت الإقرار، ولكنه لا يثبت الملك للمشهود له، إلا إذا كان المقر به، ملكا للمقر له فعلا، ولا يصح إن كان كاذبا في إقراره.

فقد جاء في الموسوعة الفقهية: لو أقر لغيره بمال, والمقر له يعلم أنه كاذب في إقراره, لا يحل له أخذه عن كره منه فيما بينه وبين الله تعالى, إلا أن يسلمه بطيب من نفسه, فيكون تمليكا مبتدأ على سبيل الهبة ... اهـ.

والله أعلم.