أرجوكم تحملوا مني هذه التساؤلات، وآسفة إذا كان أسلوبي سيئا. أنا مؤمنة بشرع الله، وأنه عدل، لكن للأسف الأعراف طغت على الدين، فأرجو منكم التوضيح. لو سمحتم: أريد أن أسأل عن حقوق الزوج والزوجة، أعرف أن الزوج له على زوجته الطاعة، وكتم السر، وخدمته. والزوجة لها على زوجها الإنفاق، والمعاملة الحسنة، طيب إلى أي درجة تخدمه، يعني إذا كانت زوجة غير ممتازة جدا في عمل البيت، ومقصرة دائما في شيء. هل معنى هذا أنها زوجة سيئة، ومقصرة في حق زوجها، ولا بد أن تكون ممتنة أن زوجها لم يطلقها لهذا السبب، وإلا فإن ربنا سيحاسبها؟ إذا كان زوجها يصرف على قدر إمكانياته القليلة، لماذا لا بد أن تتحمل، ولو اعترضت، أو فتحت فمها تكون سيئة، وربنا سيحاسبها؟ وإذا امرأة مع صراخ الأولاد، وتعب عمل البيت، غضبت قليلا في الكلام مع زوجها في كلمات مثل: (حاضر-ما تشيلها أنت-أنا تعبت) تكون قد آذت زوجها بلسانها؟ والمعاملة الحسنة ما هو حدها؟ لو كان الراجل يرى أنه يعامل امرأته أحسن معاملة، وهي معترضة على هذه المعاملة، وتراها سيئة، أو هو يضخم أقل شيء يفعله، وهي ترى أن هذا غير كاف (يعني مثلا يرى أن المعاملة الحسنة أنه لم يطلقها لاعتراضه على تصرفاتها، رغم أنه يتشاجر معها على هذه التصرفات) ما الفيصل بينهما؟ وإذا تزوج رجل امرأة وهو يرى فيها عيبا معينا سيجعله يكرهها، لكن تزوجها لأنها أفضل واحدة في كل اللاتي رآهن، لكن لم يستطع أن يتجاوز عيوبها، وبقي يكرهها بسبب هذا العيب (رغما عنه بسبب مشاعره، غير قادر أن يتقبل عيوبها لأنه يكرهها أو لا يحبها) أليس هذا ظلما؟ وإذا تزوج رجل امرأة، ولم يحب أهلها منذ أول يوم رآهم فيه، لكن أكمل الزواج، ويمنعها من أن تخرج مع أهلها، وهو في عمله، ليس لاعتراضه على المبدأ، لكن لأنه لم يحبهم، أليس هذا ظلما؟ وإذا كانت امرأة بسبب أن زوجها يكرهها، ويكره أهلها ولا يراها امرأة، ويتشاجر معها لأتفه الأسباب، ويضربها لدرجة جعلتها لا شعوريا تصرخ عليه، ويمكن أن تؤذيه بلسانها، لدرجة أنها وصلت مرة لأنها ضربته لما ضربها، ولما شعرت أنها ترتكب ذنوبا، وطلبت منه أن يطلقها رفض، وهددها أنه لو طلقها سيذلها ويفضحها؛ لأنها ستأخذ منه الأطفال بحكم الحضانة. ماذا تفعل المرأة في ظل هذه الظروف لكيلا يغضب ربنا عليها، إذا كانت قادرة على الصبر؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فينبغي أن تقوم العلاقة بين الزوجين على التراحم، والتفاهم والتواد، قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً {الروم:21}
قال ابن كثير -رحمه الله-: فلا ألفة بين روحين، أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.. تفسير ابن كثير.
 وقد اختلف الفقهاء في وجوب خدمة الزوجة لزوجها، والمفتى به عندنا وجوب الخدمة بالمعروف، فليس لها قدر محدود، أو صفة معينة، ولكنها تختلف باختلاف الأحوال والأعراف.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: .... ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: تَجِبُ الْخِدْمَةُ الْيَسِيرَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَجِبُ الْخِدْمَةُ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَخْدُمَهُ الْخِدْمَةَ الْمَعْرُوفَةَ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ، وَيَتَنَوَّعُ ذَلِكَ بِتَنَوُّعِ الْأَحْوَالِ: فَخِدْمَةُ الْبَدْوِيَّةِ، لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الْقَرَوِيَّةِ، وَخِدْمَةُ الْقَوِيَّةِ، لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الضَّعِيفَةِ. الفتاوى الكبرى.
 فالواجب على الزوجين أن يعاشر كل منهما صاحبه بالمعروف، فعلى الزوجة طاعة زوجها في المعروف، وعلى الزوج أن يحسن إليها قولاً وفعلاً. قال ابن كثير -رحمه الله-: وقوله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ، وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ. تفسير ابن كثير.  وإذا تلفظت الزوجة بشيء يؤذي زوجها، لكنها محقة فيه، فلا حرج عليها.

  جاء في دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين: أي لا يقع منها معه ما من شأنه أن يتأذى به، من غير مجوّز لذلك شرعاً. اهـ. 
 ومن قام بما يقدر عليه، فلا لوم عليه، لكن ينبغي على الزوجين أن يجتهدا في الإحسان قدر الاستطاعة، مع احتساب الأجر من الله عز وجل.
وإذا تزوج الرجل امرأة يرى فيها شيئاً يكرهه، ولكنها أمثل من غيرها، فلا حرج عليه في ذلك، ولا يكون ظالماً لها بمجرد كراهة شيء من خلقها، لكن لا يجوز له أن يظلمها، أو يسيء عشرتها، وقد أرشد الشرع الأزواج إلى الصبر على المرأة، والتجاوز عن بعض زلاتها، والموازنة بين الجوانب المختلفة في صفاتها وأخلاقها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا، رَضِىَ مِنْهَا آخَرَ. صحيح مسلم.

قال النووي رحمه الله: أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضَهَا، لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَهُ، وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُونَ شَرِسَةَ الْخُلُقِ، لَكِنَّهَا دَيِّنَةٌ، أَوْ جَمِيلَةٌ أَوْ عَفِيفَةٌ، أَوْ رَفِيقَةٌ بِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. اهـ.

والراجح عندنا أن الزوج يأذن لزوجته في زيارة أهلها ما لم يخش إفسادهم لها، وإذا منعها من زيارتهم لمجرد أنه لا يحبهم، فهذا ظلم غير جائز، وانظري الفتوى رقم: 110919
وإن كان الزوج مفرطاً في حقّ زوجته، أو مضراً بها، فلها رفع الأمر للقاضي ليجبره على أداء الحق، وكف الضرر، أو يطلقها عليه إن ثبت الإضرار وأرادت الزوجة الطلاق، وراجعي الفتوى رقم: 135685
أمّا إذا لم يثبت إضرار الزوج بزوجته، فلا حق لها في التطليق، لكن إن كانت مبغضة له، وتخشى ألا تقوم بحقّه، فلها أن تختلع منه بإسقاط مهرها، أو بعضه، لزوجها، حسب ما يتفقان عليه، وانظري الفتوى رقم: 8649.
 والله أعلم.