قبل أربع سنوات ونصف تقريبا، كنت أجمع المال لمساعدة الفقراء والمحتاجين في دولة عربية، وحدث أن أحد الإخوة أعطاني مبلغ 2500 ريال لهذا الغرض، ولكني وضعت المبلغ في المحفظة، وقلت سأرسله فيما بعد إن شاء الله، ومضى على ذلك عدة أشهر ولم أرسله، وحصل مرة أن احتجت للمال؛ فسحبت من هذا المبلغ الذي معي، وقضيت حاجتي، ثم أرجعت المبلغ، وبعدها أرسلت 1500ريال، وبقيت معي 1000 ريال، ثم بعد فترة صرفت منها 200 ريال، وبقيت800 ريال أعطيتها لأبي، وقال سأكمل المبلغ، ثم أرسله. طبعا هذه القصة لا يعرفها صاحب المال الأصلي الذي أعطاني إياه للفقراء والمحتاجين في دولة عربية، وظن أني أرسلتها مباشرة بعدما أعطاني المبلغ. وللمعلومة لم آخذ ريالا واحدا لجيبي، ولا حتى أبي، لكن تساهلت وحصل الذي قرأتم. سؤالي بارك الله فيكم: هل علي شيء في هذه الحالة؟ وما الواجب علي فعله؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فما دام صاحب المال قد حدد لك جهة معينة تدفع لها المال، فإن تصرفك فيه بغير ذلك، أو حبسك له عن مستحقه لغير عذر، يعتبر خيانة للأمانة، وقد نهى الله تعالى عن خيانة الأمانة، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ {الأنفال:27}.

وقد جعل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيانة الأمانة من علامات النفاق، فقَالَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ. متفق عليه.

 فالواجب عليك أن تتوب إلى الله تعالى، بأن تندم على فعلتك، وتعزم مستقبلا على عدم العودة إليها، وتدفع المال كله لمستحقه إن كان بقي منه شيء لم يصله، وهذا من أركان التوبة، لا تصح توبتك بدونه، وقد قال الله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا {النساء:58}.

وقال الرسول  صلى الله عليه وسلم: لا يحل مال امرئ مسلم، إلا بطيب نفس منه. رواه الإمام أحمد.

 وقال: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لا لاعبا، ولا جادا، ومن أخذ عصا أخيه، فليردها. رواه أبوداود وحسنه الألباني.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: على اليد ما أخذت، حتى تؤديه. رواه الترمذي وغيره.
وجاء في مطالب أولي النهي: الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى رَدِّهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ حُصُولُهَا فِي يَدِهِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ، أَوْ مَحْظُورٍ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ. اهـ.

وجاء في الموسوعة الفقهية: صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ فَوْرًا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ عُذْرٌ فِي التَّرَاخِي، كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَغْصُوبٍ وَغَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ", وَلأِنَّهُ يَأْثَمُ بِاسْتِدَامَتِهِ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِحَيْلُولَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى الْفَوْرِ بِنَفْسِهِ، أَوْ وَلِيِّهِ، أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِنْ تَكَلَّفَ عَلَيْهِ أَضْعَافُ قِيمَتِهِ؛ إِذْ لاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ مَا دَامَ فِي يَدِهِ, وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ نَصًّا فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوَاعِدَهُمُ الْعَامَّةَ فِي وُجُوبِ رَفْعِ الظُّلْمِ، تَقْتَضِي مُوَافَقَةَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ. اهــ.
 والله أعلم.