السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

أخي الكريم: زوجة تسأل عن حال زوجها المتوفي خلال الحرب العالمية الثانية؛ حيث إنه كان جنديًّا في الجيش الفرنسي، وبما أنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وكانوا تحت الاستعمار الفرنسي، ولم تكن له أي معلومات عن الواجب عليه نحو دينه، فلم يكن يصوم، ولا يصلي، وكان في بداية حياته، وترك ولدًا جنينًا في بطن أمه، وهم الآن ميسورو الحال.

وتسأل الآن: هل بإمكانها أن تعمل له أي شيء يخفف عنه، وما هو مآله عند ربه في هذه الحال، مع العلم أنه لم يترك إنكارًا، ولا تهاونًا، بل عن جهل.

نرجو أن تفيدونا؛ ولكم جزيل الشكر والامتنان، من أجل هذه الحزينة على زوجها.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فلا شك أن الصلاة والصيام من الأحكام المعلومة من دين الإسلام بالضرورة؛ إذ يعرفهما العالم والعامي، فلا تُقْبَلُ فيهما دعوى الجهل، إن كان يحيا بين المسلمين، وفي بلادهم، ولكن إن عاش في غير بلاد المسلمين، أو نشأ بعيدًا عنهم، وجهل فرضية الصلاة والصيام، ولم يعلم بوجوبهما عليه، ولم يبلغه شيء عنهما، ثم مات، فإنه يُعْذَرُ بجهلِهِ.

أمَّا إذا كان عالماً بفرضيتهما، ولكنه يجهل العقوبة المترتبة على تركهما، أو كان جاهلًا، وَوَجَدَ من يعلمه، فَقَصَّرَ وَفَرَّطَ، فهو غير معذور.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في "مجموع الفتاوى" (7 /609 ـ 610) -:

"وَأَمَّا الفرائض الأربع: فإذا جحد وجوب شيء منها - بعد بلوغ الحجة - فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها، كالفواحش والظلم والكذب والخمر، ونحو ذلك.

وَأَمَّا من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، لم تبلغه فيها شرائع الإسلام، ونحو ذلك، أو غَلِطَ فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يُسْتَثْنَوْنَ من تحريم الخمر، كما غَلِطَ في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يُسْتَتَابون وَتُقَامُ الحجة عليهم، فإن أصروا، كفروا - حينئذ - ولا يُحْكَمُ بكفرهم قبل ذلك" .اهـ.

وقال الإمام السيوطي: "كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس، لم يقبل منه دعوى الجهل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية يخفى فيها مثل ذلك، كتحريم الزنا، والقتل، والخمر، والكلام في الصلاة، والأكل في الصوم". انتهى.

وقال ابن قدامة - في "المغني" (4 / 347) -:

"تارك الصلاة لا يخلو: إما أن يكون جاحدًا لوجوبها، أو غير جاحد، فإن كان جاحدًا لوجوبها، نُظِرَ فيه، فإن كان جاهلًا به، وهو ممن يجهل ذلك، كالحديث الإسلام، والناشئ ببادية، عُرِّفَ وجوبَها، وَعُلِّمَ ذلك، ولم يحكم بكفره؛ لأنه معذور.

وإن لم يكن ممن يجهل ذلك، كالناشئ من المسلمين في الأمصار والقرى، لم يعذر، ولم يقبل منه ادعاء الجهل، وَحُكِمَ بكفره؛ لأن أدلة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسنة، والمسلمون يفعلونها على الدوام، فلا يخفى وجوبُها على من هذا حاله، فلا يجحدها إلا تكذيبًا لله - تعالى - ولرسوله وإجماع الأمة، وهذا يصير مرتدًّا عن الإسلام، وحكمه حكم سائر المرتدين، في الاستتابة والقتل، ولا أعلم في هذا خلافًا.

وإن تركها لمرض، أو عَجَزَ عن أركانها وشروطها، قيل له: إن ذلك لا يُسْقِطُ الصلاة، وإنه يجب عليه أن يصلي على حسب طاقته.

وإن تركها تهاونًا، أو كسلًا، دُعِيَ إلى فعلها، وقيل له: إن صليت، وإلا قتلناك. فإن صلى، وإلا وجب قتله".

وعليه، فإن كان الرجل المذكور قد ترك الصوم والصلاة عن جهل، بمعنى أنه لا يعرف أنهما من فرائض – فهو معذور بجهله، فيجوز لزوجته أن تستغفر له، وأن تتصدق عنه، وغير ذلك مما ورد أنه يصل ثوابه للميت،،

والله أعلم.