أنا مقيم بفرنسا وأقوم بالصرف مع شخص في بلدي الأصلي على أن يكون الشخص المعني بجوار أخي الذي يقوم مقام الوكيل لي وأرسل العملة للشخص في حسابه على أن يسدد لأخي في نفس الوقت، وأعلم أن هذا الأصل في الصرف وهو المقابضة في مجلس العقد، إلا أنه في بعض الأحيان يكون أخي مشغولاً بحكم عمله، فهل يجوز أن أترك المقبوض عند الشخص الذي أتعامل معه في حكم الأمانة على أن يكون المقبوض متاحاً وقت مجلس العقد ـ اتصال بالأنترنت ـ يضعه في كيس أو نحوه ولا يلمسه أو يتصرف فيه بتاتاً إلى أن يؤديه إلى أخي عندما يكون ذلك متاحاً لأخي؟. وبارك الله فيكم.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالنظر في صحة هذه الصورة المسئول عنها، يكون باعتبار الطرف الآخر في عقد الصرف ـ وهو هذا الشخص ـ هل يصح أن يكون مُصَارِفا للسائل ووكيلا عنه في القبض في آن واحد، وأكثر العلماء على عدم صحة ذلك، بل قد منعوا من اتحاد القابض والمقبض في سائر أنواع البيوع، وهذا ما سبق أن رجحناه في الفتوى رقم: 97302.

ومراعاة ذلك في الصرف أهم وآكد، قال الشافعي في الأم: إذا وكل الرجل الرجل بأن يصرف له شيئا أو يبيعه فباعه من نفسه بأكثر مما وجد أو مثله أو أقل منه، فلا يجوز. اهـ.
وقال الروياني في البحر: لو باعه الوكيل من نفسه بإذن الموكل، فالمذهب أنه لا يجوز، نص عليه في الصرف، لأنه لا يجوز أن يكون قابلًا وموجبًا فيما يتولاه بالإذن. اهـ.

وأما عند الحنابلة: فيصح قبض الوكيل من نفسه لنفسه، وعندهم قول بإباحة ذلك حتى في الصرف، كما لو وكل في قبض من نفسه وصرفه منها، قال الرحيباني في مطالب أولي النهى: ويصح قبض وكيل من نفسه لنفسه بأن يكون لمدين وديعة عند رب الدين من جنسه، فيوكله في أخذ قدره منها، لأنه يصح أن يوكله في البيع من نفسه، فيصح أن يوكله في القبض منها، إلا ما كان من غير جنس ماله أي: الوكيل على الموكل، بأن كان الدين دنانير، الوديعة دراهم، فلا يؤخذ منهما عوض الدنانير، لافتقاره ـ أي: الأخذ ـ لعقد معاوضة ولم يوجد، ويتجه الصحة أي: صحة قبض الوكيل من نفسه لنفسه ما كان من غير جنس الدين في صورة ما لو وكله أي: وكل مستدين دراهم مدينه الذي عنده دنانير ووديعة في عقد مع نفسه، بأن يقبض الدنانير من نفسه على أنها لموكله، وقبض للدنانير عوضا عن ماله في ذمته، ويصير كما لو وكل في قبض من نفسه وصرفه منها، وذلك جائز، فيتولى طرفي العقد، وهو متجه. انتهى.

وفي كشاف القناع:  ولو كان عليه دنانير، أو كان عليه دراهم فوكل غريمه في بيع داره، أو نحوها وفي استيفاء دينه من ثمنها، فباعها بغير جنس ما عليه ـ أي على رب الدار ـ لم يجز للوكيل أن يأخذ منها أي من ثمن الدار قدر حقه منها؛ لأنه -أي المدين- لم يأذن له أي للوكيل في مصارفة نفسه، فإن أذن له في ذلك جاز، فيتولى طرفي عقد المصارفة.

وفي هذا مخرج للسائل في الصورة التي ذكرها، فإن كان وكيلك الذي هو أخوك مشغولا، فبإمكانك أن تحول هذا المبلغ على الشخص المذكور كوديعة، فإذا تسلمها ودخلت في حسابه، وكلته في صرفها من نفسه، وحفظ ما يقابلها من عملة بلدك عنده كأمانة يؤديها عند طلبها، قال ابن قدامة في المغني: لو اشترى فضة بدينار ونصف، ودفع إلى البائع دينارين وقال: أنت وكيلي في نصف الدينار الزائد صحَّ، ولو صارفه عشرة دراهم بدينار فأعطاه أكثر من دينار ليزن له حقه في وقت آخر جاز وإن طال، ويكون الزائد أمانة في يده لا شيء عليه في تلفه. انتهى.

والأفضل من هذا ـ خروجا من أصل الإشكال ـ أن يحفظ هذا الشخص الوديعة عنده بالعملة الفرنسية، ثم يصارف أخاك عليها عند حضوره، ويكون ذلك بسعر ساعتها، لا بسعر يوم دخولها في حسابه، قال ابن قدامة في المغني: إذا كان له عند رجل دينار وديعة، فصارفه به وهو معلوم بقاؤه أو مظنون، صح الصرف. اهـ.
هذا مع مراعاة أن الوديعة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، والتعدي معناه فعل ما لا يجوز، والتفريط معناه ترك ما يجب؛ كما بيناه في الفتوى رقم: 65886.

فإن خشيت من فوات ضمان مالك عند هذا الشخص، فبإمكانك أن تقرضه إياه، لأن القرض مضمون، فإذا جاء أخوك ليستوفي مالك عند هذا الشخص، جاز أن يستوفيه بعملة بلدك، وبسعر يوم السداد، شريطة أن لا يكون ذلك بناء على اتفاق سابق, وراجع في ذلك الفتوى رقم: 44084.

وراجع في الفرق بين الوديعة والقرض الفتوى رقم: 55311
والله أعلم.